سلطنة عُمان وروسيا.. نحو شراكة استراتيجية متكاملة

سلطنة عُمان وروسيا.. نحو شراكة استراتيجية متكاملة السلطان هيثم بن طارق والرئيس فلاديمير بوتن

عرب وعالم27-4-2025 | 10:40

جاءتْ زيارة "دَولة" الَّتي قام بها السُّلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان إلى روسيا كعلامةٍ فارقة في مسار السِّياسة العُمانيَّة الحديثة، لا سِيَّما وأنَّها الأُولى من نَوْعها منذُ توَلِّي السلطان هيثم مقاليد الحُكم.. فالاستقبال الرُّوسي الَّذي اتَّسم بالحفاوة البروتوكوليَّة، لم يكُنْ مجرَّد واجب دبلوماسي، بل رسالة واضحة تعكس تقدير موسكو لعُمان كدَولةٍ ذات ثقلٍ استراتيجي في منطقة الخليج ولحكمة قيادتها السياسية، فاللَّقاء الخاصُّ بَيْنَ هيثم وبوتين، وكذلك المباحثات المُوَسَّعة، عكستْ رغبة الطَّرفَيْنِ في الانتقال من مستوى العلاقات الجيِّدة إلى شراكة استراتيجيَّة متكاملة، فالتَّحوُّل في اللَّهجة الروسيَّة ـ من مجرَّد التَّعاون إلى التَّركيز على بناء تحالفات ـ يعكس إدراك الكرملين بأنَّ عُمان وقائدها ليسا رقمًا صغيرًا في المعادلة الإقليميَّة، بل صوتُ عقلٍ وازن يُمكِن الرِّهان عَلَيْه في ملفات تتجاوز الإقليم إلى المسرح العالَمي.

ومن بَيْنِ المؤشِّرات القويَّة على عُمق التَّفاهم بَيْنَ الطَّرفَيْنِ، توقيع اتفاقيَّات ثنائيَّة شملتْ مجالات بالغة الأهميَّة، بعضها يحمل دلالات اقتصاديَّة مباشرة، مِثل التِّجارة والطَّاقة، وأُخرى تمَسُّ البنية الأساسيَّة الثَّقافيَّة والإنسانيَّة، مِثل التَّعليم والإعلام، ومن أبرز هذه الاتفاقيَّات، الاتِّفاق المُتبادل على إلغاء تأشيرات الدُّخول لحاملي جوازات السَّفر العاديَّة، وهو ما يعكسُ ليس فقط مستوى الثِّقة، بل أيضًا الرَّغبة في تسهيل حركة الأفراد والتَّقريب بَيْنَ الشَّعبَيْنِ، كما أنَّ اتِّفاق إنشاء لجنة مشتركة للتَّعاون التِّجاري والاقتصادي والفنِّي يضع الإطار المؤسَّسي لعلاقة طويلة الأمد، قائمة على التَّخطيط والتَّكامل لا الاجتهاد المؤقت، وتشمل الاتفاقيَّات أيضًا مجالات كـمصائد الأسماك والتَّنمية المستدامة والسِّياحة، ما يُبرز اتِّساع رقعة المصالح المشتركة وتنوُّعها، فهذا الطَّيف الواسع من التَّفاهمات لا يعكسُ فقط الإرادة السِّياسيَّة، بل يفصح عن وجود رؤية استراتيجيَّة شاملة تُدرك أهميَّة التَّحوُّل من التَّعاون القِطاعي إلى التَّنسيق الشَّامل مُتعدِّد المستويات.

ناهيك عن اتفاق التعاون في مجال الأخبار وتبادل المعلومات بين وزارة الإعلام ممثّلة في وكالة الأنباء العُمانية ووكالة سيجودنيا الدّوليّة للإعلام، وبين الأكاديميّة الدبلوماسيّة في سلطنة عُمان والأكاديميّة الدبلوماسيّة في روسيا الاتّحاديّة، وفي مجال الإعلام بين وزارة الإعلام وقناة روسيا اليوم، وبين غُرفة تجارة وصناعة عُمان ومؤسّسة روسكونجرس الروسيّة، وبين الأكاديميّة السُّلطانيّة للإدارة في سلطنة عُمان والأكاديميّة الرئاسيّة الروسيّة للاقتصاد الوطني والإدارة العامّة.

ولعل التَّحليل المنهجي لطبيعة اللِّقاءات والاتفاقيَّات يكشفُ أنَّ الزِّيارة تتجاوز إطار العلاقات الثُّنائيَّة لِتُوَجِّهَ رسائل إلى الإقليم والعالَم؛ فعُمان، بسياساتها المتَّزنة وحيادها الذَّكي، ترسِّخ موقعها كجسرٍ آمِن بَيْنَ التَّكتُّلات المتباينة، وتوقيت الزِّيارة ـ في ظلِّ اشتداد الاستقطاب العالَمي بَيْنَ الشَّرق والغرب ـ يعكس قدرة السَّلطنة على المناورة الهادئة وبناء التَّوازنات، دُونَ أنْ تنجرَّ للدخول في صدامات أو محاور.
ومن جانب روسيا تأتي هذه الزِّيارة لِتؤكِّدَ أنَّ موسكو تُراهن على شركاء موثوقِينَ بعيدًا عن الضَّجيج، وتبحثُ عن موطئ قدَمٍ استراتيجي في الخليج من بوَّابة غير تقليديَّة.. أمَّا من جهة عُمان فإنَّ اختيار روسيا كوجهةٍ لأوَّل زيارة "دَولة" يعكسُ قراءةً عميقة للواقع الجيوسياسي، ورغبةً في تنويع الشُّركاء وتوسيع شبكات المصالح خارج الأنساق التَّقليدية، وفي هذا السِّياق، تُصبح الزِّيارة تمثيلًا حيًّا لسياسة خارجيَّة مَرِنة وصُلبة في آنٍ واحد.

اللافتُ في مضامِين المحادثات بَيْنَ القيادتَيْنِ العُمانية والروسية، أنَّها لم تقتصرْ على الاقتصاد والطَّاقة، بل انفتحتْ على جوانب ثقافيَّة وتعليميَّة وإنسانيَّة، في تأكيد أنَّ العلاقة المنشودة بَيْنَ مسقط وموسكو لا تقتصر على المكاسب المادِّيَّة، بل تشمل القِيَم المشتركة والتَّواصُل الحضاري، فهذا التَّوَجُّه يعكسُ وعيًا عُمانيًّا بأهميَّة بناء جسور التَّفاهم مع القوى الكُبرى من خلال الهُوِيَّة والثَّقافة والتَّعليم والإعلام، وليس فقط من خلال التِّجارة والطَّاقة.

فضلاً عن أن الانفتاحَ الرُّوسي على هذا النَّمط من التَّعاون يعكسُ رغبة موسكو في تصحيح صورتها وتوسيع نفوذها عَبْرَ قنوات ناعمة تتجاوز القوَّة العسكريَّة أو الاقتصاديَّة، وذلك في ظلِّ التَّحدِّيات العالَميَّة المتزايدة، من الأزمات المناخيَّة إلى اضطرابات النِّظام الدّولي، يُصبح التَّحالف القائم على المبادئ الإنسانيَّة أكثر استقرارًا وأقلَّ هشاشةً. من هنا تكتسبُ زيارة السُّلطان هيثم بن طارق إلى روسيا، أبعادًا تتجاوز اللَّحظة السِّياسيَّة؛ لِتصبحَ نواةً لعلاقةٍ مستدامة تَقُومُ على العُمق الحضاري والمصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.

لقد كانت القضية الفلسطينية حاضرة في القمة العُمانية الروسية؛ إذ أكد القائدان السلطان هيثم والرئيس بوتن على ضرورة التوصل إلى حل عادل لها، بما يُلبي جميع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني على أساس حل الدولتين، مع التشديد على أهمية دعم الجهود الدولية من أجل التوصل إلى وقف فوري ومستدامٍ لإطلاق النَّار، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة إلى المدنيين، وبدء عملية الإعمار وعودة النازحين إلى أراضيهم، والانسحاب الكامل لقوات الاحتلال من القطاع وجميع الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وبحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع سلطان عمان هيثم بن طارق آل سعيد، خلال لقائهما في موسكو، المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، في سياق جهود الوساطة التي تبذلها عُمان، وأكد بوتن أن روسيا مستعدّة لبذل كل ما في وسعها للمساهمة في إنجاز هذه المحادثات بشكل مثمر وفعّال.

المؤكد أن هذه الزيارة سيكون لها أثر إيجابي ملموس خلال الفترة المقبلة؛ إذ إنها تفتح آفاقًا جديدة رحبة من الشراكة الإستراتيجية المتكاملة؛ بما يخدم مصلحة البلدين، وبما يحقق أهداف التنمية والازدهار والتقدم ومستهدفات الرؤية المستقبلية "عُمان 2040".

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان