ذكرنا فى العدد السابق اسم الحاخام أبراهام كوك المولود فى لاتفيا الروسية 1865 والمتوفى 1935)، أبرز منظّرى الصهيونية الدينية وأول حاخام أكبر لليهود الأشكناز فى فلسطين ، فى النصف الأول من القرن العشرين، الذي رأى فى قيام إسرائيل بداية "الخلاص اليهودي" وعودة الهيكل.
ومنذ عام 1948 ومع إعلان قيام الدولة المسماة إسرائيل تصاعد الخلاف بين العلمانيين والمتدينين اليهود، ما دفع الأخيرين للانغلاق وتشكيل مجتمعات دينية منعزلة، ومن رحم أفكار الحاخام كوك ولدت حركة دينية صهيونية متطرفة أطلقت على نفسها اسم جوش إيمونيم "كتلة الإيمان" وبعد حرب 1967، صعدت أفكار، هذا التنظيم الصهيونى المسلح، وشجّعت على الاستيطان اليهودي فى فلسطين على أساس منطلقين؛ إحداهما ديني والآخر عملي.. المنطلق الديني يستلهم أن رواية توراتيّة تذكر أنّ "الله يريد أن يعيش الشعب اليهودي فى أرض فلسطين "، والمنطلق العمليّ هو السّعي نحو الاستيطان خوفًا من انحسار رقعة الأرض المستولى عليها فى فلسطين.. وبرزت فى السنوات الخمسين التالية حركات دينيّة متطرّفة أخرى، إحداها "غحلات"، وتعني "النواة الرائدة لتعليم التوراة"، ولاحقًا شكلت هذه النواة الإطار الاجتماعي والنظري للتطرف الدينى الصهيونى.
بعد قيام إسرائيل 1948 حدث انقسام داخل المعسكر الصهيونى الديني ، وانقسم إلى معسكر "حريدي"؛ أي المتديّن الّذي رفض أن تقوم الدولة بيد الإنسان، والمعسكر الديني-الصهيوني، الّذي رأى فى قيام إسرائيل بداية الطريق نحو تحقيق النبوءة والخلاص للشّعب اليهودي.
سيّما وأنّ الراف كوك أعلن من قبل أنّ "شعب إسرائيل" فى ذروة مساره نحو الخلاص، وأنّ قيام دولة "إسرائيل" هو مفترق مفصلي فى سيرورته نحو الخلاص اليهوديّ، وأنها (إسرائيل) ظاهرة يتجلّى فيها تقديس اسم الربّ، والاستيطان فى يهودا والسامرة -التسمية التوراتية الصهيونيّة لمناطق الضفّة الغربيّة المحتلّة- هو من أهمّ محطات هذا الخلاص.
وسعت الحركات الصهيونية الدينية بعد عام 67 إلى توسيع الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، كخطوة حاسمة فى استعادة "أرض الميعاد"، وترسخت أفكار جوش أمونيم وغيرها فى بنية السياسة والمجتمع الإسرائيلي، مدعومة من أحزاب يمينية ودينية، وشخصيات سياسية إسرائيلية متطرفة.
وأما فكر "السور والبرج"، المستمد من فكر "الجيتو" أو المجتمع المغلق، فهو فكر متأصل فى نفوس اليهود، كان الأساس المعماري والأمني لفلسفة جوش إيمونيم الاستيطانية، ويتمثل هذا الفكر فى إقامة بناء مرتفع يُمكّن المستوطن من السيطرة على محيطه الجغرافى، ويتيح مراقبة الفلسطيني والسيطرة عليه، وقد شكّلت هذه المنهجية الهيكل الجغرافى والنفسي للاحتلال الحديث.
ومع صعود حزب الليكود المتطرف عام 1977، تسلل المتدينون الصهاينة إلى الجيش الإسرائيلى، وتوسعت حركة الاستيطان فى غزة والضفة، ونفذت تنظيمات العنف الأصولية اليهودية المتطرفة عدة هجمات إرهابية وخططت لنسف قبة الصخرة، وفى هذا الصدد أدى الكشف عن مؤامرة تنظيم جوش أمونيم الإرهابي إلى ضربة قاسية لسمعة الحركة الاستيطانية.
وحسب المؤرخون انطلقت المرحلة الثانية للتيارات الصهيونية الدينية عام 1974 ونشطت خلالها حركة الاستيطان فى الضفة الغربية لنهر الأردن التى احتلتها إسرائيل فى حرب 1967، ونشطت أعمال تهويد مدينة القدس بشطريها الغربية والشرقية، والقدس الشرقية التى كانت تحت السيادة الأردنية حتى 5 يونيو 67، وبعد هذا التاريخ تركت فقط الأماكن الإسلامية فى القدس الشرقية تحت إدارة أردنية.
وتأتى مرحلة جديدة فى تاريخ العنف والتطرف الصهيونى بداية من عام 1981 وتستمر حتى أواخر الثمانينيات لتشهد تصعيدًا فى عنف حركات التطرف الإسرائيلية، ضد الفلسطينيين، ومع اضطرار الأخيرون للدفاع عن أنفسهم كرد فعل، تفاقمت التوترات بين الجانبين، وانطلقت أعمال الانتفاضة الفلسطينية الأولى فى شهر ديسمبر 1987، وتم قمعها، وسارع الغرب بالدعوة إلى مؤتمر دولى للسلام لإنقاذ إسرائيل، فأقيم مؤتمر مدريد عام 1991 الذى تمخض عن عدد من الاتفاقيات منها إقامة مباحثات مباشرة بين السلطة الفلسطينية التى تم الاعتراف بها خلال مدريد كممثل للفلسطنيين، وإسرائيل، وفى عام 1992، شكّل إسحاق رابين حكومة وسط - يسار، وقاد مفاوضات أوسلو السرية، التي أثمرت عن "اتفاق غزة-أريحا" (1993)، الذى واجه رفضًا يمينيًا واسعًا، واندلع على أثر ذلك أعمال عنف، وارتكب الصهيونى الدينى المتطرف باروخ جولدشتاين مجزرة الحرم الإبراهيمي، واستشهد قرابة 50 فلسطينيًا فى الاحتجاجات اللاحقة، وفى 4 نوفمبر 1995 اغتال متطرف يهودى إسحاق رابين، خامس رئيس وزراء لإسرائيل، عقابا على سعيه السلامى نحو العرب والفلسطينيين وإبرامه اتفاقية أوسلو.