قتلناك يا آخر الأنبياء

قتلناك يا آخر الأنبياءسعيد صلاح

الرأى4-5-2025 | 15:05

تذكرت ومثلي كثيرون، مصريون وعرب، ونحن نتابع التسريبات المريبة التي انتشرت خلال الأيام الماضية والتي تحتوي علي تسجيل مجتزأ للزعيم الراحل جمال عبد الناصر .. تذكرت بعضا من كلمات نزار قباني وهو يرثي فيها الزعيم عبد الناصر بعد رحيله.. كلمات وكأنها تنطق بما يحدث هذه الأيام، وتكشف وتفضح أغراض وأهداف من اجتزأوا ونشروا وحللوا من وجهة نظرهم وافتروا وحاولوا التشويه والإساءة لزعيم مصري عربي سيظل خالدًا مهما فعل السفهاء والكارهون.

قال نزار: قتلناكَ.. يا آخر الأنبياء.. ليسَ جديدًا علينا.. اغتيالُ الصحابةِ والأولياءْ.. فكم من رسولٍ قتلنا.. وكم من إمامٍ.. ذبحناهُ وهوَ يصلّي صلاةَ العشاءْ.. فتاريخُنا كلّهُ محنةٌ.. وأيامُنا كلُّها كربلاءْ.
نعم هذا ما حدث مع زعيمنا الراحل عبد الناصر ، فقد خذلوه وباعوه ولم يناصروه، وخافوا من سيره وسيرته، وسطوته علي العقول والوجدان العربية، وخشوا أن يقزمهم ويكشفهم عند شعوبهم فناصبوه العداء، وهم الآن يحاولون أن ينالوا منه أيضا ومن تاريخه ليؤكدوا لأنفسهم أنهم كانوا علي صواب وهو لم يكن كما كان وإنما محض ادعاء، ولكن هيهات.. هيهات.. فناصر بعروبته وقوميته وزعامته.. باق، فهم كما وصفهم نزار حينما قال: نزلتَ علينا كتاباً جميلاً.. ولكننا لا نجيدُ القراءةْ.. وسافرتَ فينا لأرضِ البراءةْ ولكننا.. ما قبلنا الرحيلَ.. تركناكَ في شمسِ سيناءَ وحدكْ.. تكلّمُ ربكَ في الطورِ وحدكْ.. تعرّي..وتشقي.. وتعطشُ وحدكْ.. ونحنُ هنا نجلسُ القرفصاءْ.. نبيعُ الشعاراتِ للأغبياءْ.. ونحشو الجماهيرَ تبناً وقشاً.. ونتركهم يعلكونَ الهواءْ.

وللتاريخ وبالتاريخ أقول لنفسي ولكل من يقرأ ويترحم، ولكل من عاش الحلم العربي والمشروع العربي، أن عبد الناصر ، لم يكن خاضعا ولا خانعا، ولا مدعي بطولة، ولا مهادنا ضعيفا، ولا مناورًا فقير اليد والعقل، بل كان زعيمًا قويًا وطنيًا يحب بلاده ويقدس أمته، وعاش ومات علي فدائها، لذلك فإن التسريب الذي تم اجتزاؤه من سياقه وحاول الكثيرون إفهام الكثيرين أن عبد الناصر لم يكن كما كان، بل باع القضية العربية والفلسطينية ولم يهتم سوي ببعض من أهدافه ومصالحه المقصورة المحدودة.. هو تسريب أقل ما يوصف بأنه «خسيس».

عبد الناصر لم يرفض مطلقًا الحل السلمي للصراع العربي الإسرائيلي ولكن رؤيته لهذا الحل كانت قائمة علي شرطين الأول أن يكون الحل شاملاً علي كل الجبهات، والثاني ألا يجعل هذا الحل من مصر دولة هامشية في محيطها العربي، وبالنسبة للخلافات مع الحكام العرب فقد كانت موجودة منذ نهاية الخمسينيات من القرن الماضي وحتي نهاية عهده، فقد رأي بعض حكام النظم العربية الملكية والجمهورية في عبد الناصر خطرًا علي عروشهم، وضايقتهم قدرة عبد الناصر علي مخاطبة شعوبهم من فوق رءوس الحكام، وشعبيته الجارفة في العالم العربي كله، لذلك كان وما يزال هناك من يحاولون التشويه قديمًا وحديثًا، ومنهم بالطبع من يحاول الترويج لهذا التسجيل بعد اجتزاء سياقه المنطقي.

وعودًا، للتسجيل - لمن سمعه جيدًا - لم يقل فيه عبد الناصر علي الإطلاق إنه ينوي التفريط في الأرض العربية، ولا حتي أراضي فلسطين التي قامت عليها إسرائيل عام 1948 ، ولا حتي الاعتراف بإسرائيل، وإنما قال إن خطة التحرير - وبالطبع يقصد تحرير الأرض العربية كلها - تقوم علي مراحل، تبدأ الأولي بتحرير الأراضي المحتلة سنة 67 ، ثم بعدها تأتي مرحلة ثانية وهي تحرير أراضي 48 .

وكلنا نعلم أن الظروف المحيطة وقتها، كانت تؤكد أن قبول عبد الناصر لمبادرة «روجرز» جاء بمنطق السياسي المناور، فقد كان في هذا التوقيت يبني الجيش المصري، وفي المراحل الأخيرة من مراحل بناء حائط صواريخ الدفاع الجوي، لحماية سماء مصر الداخلية من عدوان الطائرات الإسرائيلية، وكان يريد إنجازه في أسرع وقت ممكن.. وهذا الحائط كان هو العامل الأول (عسكريًا) في نصر أكتوبر1973 وبسببه عبرت قواتنا قناة السويس بخسائر لا تذكر، ولم يستطع الطيران الإسرائيلي إفشال العبور.

فلم يكفر عبد الناصر بالعروبة ولا بالشعوب العربية ولكنه كفر بالحكام المزايدين المراهقين ثوريًا الراغبين في توريط مصر في مشاكلهم، وهنا أيضا أتذكر ما قاله نزار: لماذا قبلتَ المجيءَ إلينا؟.. فمثلُكَ كانَ كثيرًا علينا.. سقيناكَ سُمَّ العروبةِ حتي شبعتْ.. رميناكَ في نارِ عمّانَ حتي احترقتْ.. أريناكَ غدرَ العروبةِ حتي كفرتْ.. لماذا ظهرتَ بأرضِ النفاقْ.. لماذا ظهرتْ؟
لم يكن عبد الناصر كما سبق وأشرت متخاذلاً ولا متراجعًا بل كان مناضلاً قويًا وزعيمًا بكل ما تحمل الكلمة من معان، ومحاورًا ذكيًا وسياسيًا مناورا يعلم متي يهاجم ومتي يهادن ومتي يقبل ومتي يرفض، ومن يرجع بالتاريخ للوراء مرة أخري ويقرأ ما حدث فيما يتعلق ب قناة السويس سيري ويعي ويفهم ذلك، فقد علم عبد الناصر جيدًا أن تدخل أمريكا في مواجهة أطراف العدوان الثلاثي كان منبثقًا من إطار الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي وسعي أمريكا لفرض نفوذها في المنطقة خلفًا لبريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، فكلنا نعلم أن الرئيس جمال عبد الناصر، عندما قرر تأميم شركة قناة السويس، كرد فعل لرفض أمريكا وبريطانيا والبنك الدولي تمويل بناء السد العالي، رفض وزير الخارجية الأمريكي القرار بحُجة أنه يهدد حرية الملاحة الدولية، وأن القناة هي ممر دولي وتتطلب إدارة دولية مُحايدة، وعدم تحكم مصر فيها، ودعا إلي تكوين مجموعة من 18 دولة لإدارة القناة، كما سعي من خلال مجلس الأمن للوصول إلي حل دبلوماسي وعدم اللجوء إلي القوة.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان