أعرف تماما صعوبة أن يقوم شباب بتحقيق حلمهم بصناعة أول فيلم قصير أو طويل أو تسجيلي، وأعلم حجم الجهد الكبير الذي يبذلونه لتحويل أحلامهم إلي أعمال سينمائية، ولكني أعتقد أيضا أننا يجب أن نكون غير مجاملين في قراءة هذه التجارب الأولي ، ليس من باب التصيد والاستهانة، ولكن من باب الإخلاص والإفادة، حتي تكون تجاربهم القادمة أفضل، وأكثر نضجا، فمن النادر أن تكون التجارب الأولي مكتملة، إلا في حالات استثنائية معدودة، ومشكلات هذا الجيل في الكتابة بشكل خاص، بينما يبدو تكنيك التنفيذ متقدما صوتا وصورة، ولكن التكنيك وحده لا يكفي، وإنما تظل الكتابة هي الأساس، وإلا كنت كمن يحرث في البحر أو من يرسم علي الهواء.
الفيلم المصري "مين يصدق؟" من إخراج زينة أشرف عبد الباقي ، والتي اشتركت أيضا في كتابته مع مصطفي خالد بهجت، عمل أول روائي طويل شارك في مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الفائته، ويمكن اعتباره نموذجا للحالة التي تكلمت عنها، فبينما تبدو زينة مخرجة موهوبة وواعدة، درست الإخراج في الولايات المتحدة، ولديها حساسية عالية للإيقاع، وجماليات الصورة، ولديها قدرة جيدة علي إدارة ممثليها، إلا أن مشكلتها الأساسية في الكتابة، وبالتالي فإن هذا الجهد الواضح في تقديم فيلمها الأول، ظل معلّقا في الفراغ، وظلت التجربة ينقصها الكثير.
تذكرنا حكاية ارتباط شاب وفتاة، تمردا علي ظروفهما، وتعبيرا عن رفضهما للمجتمع، بأفلام كثيرة شهيرة، تنويعات شتي، من الفيلم الكلاسيكي الذي أخرجه آرثر بن بعنوان "بوني وكلايد" عن قصة حقيقية، إلي فيلم أوليفر ستون الشهير والعنيف "قتلة بالفطرة"، والحقيقة أن الإطار العام لفيلم "مين يصدق ؟" يستلهم أفلام التمرد هذه، ويتقاطع معها، دون أن ينقلها، بل يجعلها أقل عنفا وشراسة، ويدمجها مع أفلام السرقة في نماذجها الأمريكية الشهيرة أيضا، وأهمها بالطبع سلسلة أفلام عصابة أوشن، وعملياتها الذكية والطريفة.
ليست المشكلة في استدعاء ودمج هذه التيمات، أو التأثر بهذه الأعمال الشهيرة، ولكن في عدم التأسيس الجيد للشخصيتين المحوريتين في الفيلم وهما: نادين (جايدا منصور)، وباسم (يوسف عمر)، بالذات شخصية نادين، التي تبدو كفتاة مدللة تستحق العقاب، أكثر من كونها فتاة مهمشة عائليا، فنحن نراها في أول مشهد، وهي تكلف والدها رجل الأعمال الثري ( شريف منير)، تكاليف إصلاح سيارتها، بعد أن اصطدمت بسيارة أخري، ونحن نراها وهي تشرب وترقص بلا مبالاة.
ورغم أن والدها، وأمها التي لعبتها الممثلة نادين، في جزر منعزلة، لكننا لا يمكن أن نصدق أن الفتاة يمكن أن تغادر منزلها لمجرد إيداع مربيتها المريضة بالزهايمر في دار للمسنين، فليس ذلك سبب كاف للتمرد، وإيداع امرأة مريضة لا يمكن رعايتها في دار للمسنين، ليس عملا عدوانيا، ولا يمكن أن يجعل ذلك الفتاة أن تطلب من نصاب شاب، حصل منها علي مبالغ غير مستحقة بتمثيلية ساذجة، أن يعلمها النصب !!
والأعجب أن النصاب، الذي لا تنقصه المشاكل والبلاوي، يوافق علي ذلك، ثم يحب الفتاة، ويشكلان معا عصابة للنصب، وصولا إلي عملية للنصب علي والد نادين نفسه، في عمليات متقنة، تذكرنا بعمليات عصابة أوشن، أو بعمليات عصابة حمادة وتوتو.
هذه العلاقة بين نادين ويوسف تتأسس علي واقعة واهية، وانتقال نادين للعيش مع يوسف في شقته الفقيرة، دون زواج، وفي حي شعبي، جعلنا أمام موقف غريب وعجيب، وعدم بذل الأب الثري جهدا في البحث عن ابنته التي تركت البيت، يبدو أيضا أمرا غريبا، ليس بسبب موقعه كأب، ولكنه رجل أعمال كبير، يجب أن يؤرقه، ويؤثر علي سمعته وأعماله، أي مشكلة تتعرض لها ابنته، كما أن بحث الأب عن الابنة، كان سيزيد الصراع، وسيجعل الحكاية تسير في خطين، بدلا من انحصارها في مجال مغامرات يوسف ونادين، والتي قدمت احيانا بلمسات كوميدية خفيفة، لاتتسق مع خطورة ما يفعلونه.
زاد الأمر سوءا، قصة سقوط الثنائي نادين ويوسف، ووقوعهما في يد المعلم الكبير، الذي اعتبره يوسف مثله الأعلي، أو بديل والده، فلم يكن المعلم الذي لعب دوره أشرف عبد الباقي، مناسبا لهذا العقاب، وأشرف نفسه لم يكن مناسبا لأداء الشخصية، والسقوط وتفاصيله كان مفتعلا، وصولا إلي عقاب نادين ويوسف، ومصرع يوسف، واستعادة الأب الثري لابنته المتمردة.
لا يمكن أن تصدق سلوك الشخصية، إلا بالدراسة النفسية الجيدة لدوافعها، ولماذا نذهب بعيدا أو نتحدث نظريا بينما توجد نماذج مثالية لهذه الدراسة النفسية، التي جعلتنا نصدق حكاية "بوني وكلايد"، وحكاية "قتلة بالفطرة"، بينما لا يمكن أن نصدق بطلي "مين يصدق؟"، رغم الاجتهاد الكبير في إحكام عمليات النصب، ولا يمكن أن يكون هذا التمرد إلا عبثيا، رغم نجاح يوسف عمر بالذات في تقديم تفاصيل شخصية عشوائية بكل مفرداتها، وأظن أنه مشروع بطل سينمائي مميز، بينما كانت جايدا منصور أقل بكثير، وأكثر تشوشا في الأداء، ربما لأن شخصية نادين مشوشة أصلا علي الورق.
مدة الفيلم ساعتان، استغرقنا معظمها في السرقات، وعمليات النصب المسلية، وكان من الأفضل أن نستغرق هذا الوقت في دراسة للشخصيتين، وللعلاقة بينهما، ولدوافع التمرد ،ورفض المجتمع، ولتحديد درجة الاختلاف بين البطلين، بل و إقناعنا بشكل أفضل بمبررات الاستمرار، ولكن هدف الحكاية كان في اتجاه ابتكار عمليات للنصب، بما في ذلك إقامة ورش تمثيل وهمية، وهي أظرف ابتكارات الفيلم، وخصوصا مع الحضور الفائق للممثل محمد عبد العظيم، في مشاهد محدودة ولطيفة.
يمكن لزينة أن تنطلق في تجارب قادمة إلي مستوي أفضل، لا ينقصها امتلاك الحرفة السينمائية، ولكن عليها أن تعتمد علي سيناريوهات أفضل إحكاما، وأن تعمل أكثر وأطول علي الكتابة، فهذه هي الطريقة الوحيدة لكي تكون الأفلام أكثر اكتمالا وتأثيرا، وأكثر قدرة علي أن تعيش في الذاكرة.