في ظل تصاعد الأحداث في ليبيا والمخاوف من انزلاق البلاد إلي فخ الحرب مجددا ما يضعف طموح الليبيين بتشكيل حكومة موحدة تقود البلاد لعبور حالة الانسداد السياسي وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، دعت مصر كافة الأطراف الليبية إلي إعلاء المصالح الوطنية وإنهاء حالة التصعيد القائمة، والاحتكام لصوت العقل حفاظا علي مقدرات الدولة الليبية.
وقالت مصر في بيان صادر عن وزارة الخارجية، إنها تتابع ببالغ القلق التطورات الجارية في دولة ليبيا والاشتباكات العسكرية في العاصمة طرابلس، وما قد يؤدي إلي تصعيد مفتوح وتهديد مقدرات وأرواح الشعب الليبي الشقيق.
وأهابت مصر بجميع المواطنين المصريين المتواجدين في ليبيا، بتوخي أقصي درجات الحيطة والحذر والتزام منازلهم لحين استقرار الأوضاع وعودة الهدوء والاستقرار والتواصل مع السفارة المصرية في طرابلس .
وشهدت العاصمة الليبية طرابلس تصاعدا لافتا في وتيرة الاشتباكات المسلحة، بين قوات تابعة لحكومة الوحدة الوطنية المنتهي ولايتها وعناصر مما يطلق عليه «جهاز الردع لمكافحة الجريمة والإرهاب»، وسط تحذيرات محلية ودولية من تداعيات خطيرة علي المدنيين والسلم الاجتماعي.
وأفاد شهود عيان أن سيناريو الاشتباكات بدأ بإطلاق النار وانفجارات ، مع انتشار مكثف لقوات الردع في عدة مناطق بالعاصمة، بينها سوق الجمعة ومحيط مطار معيتيقة، وتم تحويل الرحلات الجوية من مطار معيتيقة الدولي إلي مطار مصراتة.
وفي تطور ميداني، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الليبي فرع طرابلس رفع حالة التأهب القصوي، داعية المواطنين إلي توخي الحذر والتقيد بالتعليمات الرسمية حفاظا علي سلامتهم.
وأعلن جهاز الشرطة القضائية أن الاشتباكات بالقرب من سجن الجُديدة أدت إلي حالة من الفوضي والهلع، مؤكدا فرار عدد من السجناء، غالبيتهم من أصحاب الأحكام المشددة.
علي صعيد متصل، أصدر رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهي ولايتها عبد الحميد الدبيبة، قرارا بتشكيل لجنة طارئة لمتابعة أوضاع السجون ومراكز التوقيف في البلاد، وأعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن «قلقها العميق» إزاء العنف المتصاعد في الأحياء السكنية المكتظة، مشددة في بيان علي موقعها الرسمي علي ضرورة الوقف الفوري وغير المشروط لإطلاق النار.
وأوضحت البعثة أن استمرار القتال يعرض حياة المدنيين للخطر ويهدد الاستقرار الهش في العاصمة، مؤكدة استعدادها لتقديم مساعي وساطة لتهدئة الأوضاع ودعم جهود الحوار.
بدوره، أكد رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي وحدة الصف الوطني، وذلك خلال استقباله بمقر إقامته في العاصمة طرابلس، وفداً من مشائخ وعُمد وأعيان المنطقة الشرقية، بمناسبة عودته إلي ليبيا عقب رحلة علاجية.
يذكر أن الأحداث تطورت إلي إطلاق نار متقطع بالقرب من البعثات الدبلوماسية الأجنبية في طرابلس، بما في ذلك السفارة الإيطالية ، وذكرت «وكالة نوفا» أنه في الأيام الأخيرة، اندلعت اشتباكات عنيفة بين الميليشيات المتنافسة، ولا يزال الوضع علي الأرض متوترا وخطيرا، علي الرغم من إعلان وقف إطلاق النار الذي أصدرته حكومة الوحدة الوطنية.
وذكرت التقارير أن نحو مائة مواطن إيطالي - معظمهم أعضاء وفد اقتصادي وصل للمشاركة في معرض ليبيا للبناء - كانوا عالقين في فنادق بالعاصمة، غادروا المدينة أخيرا، ومعهم أيضًا حوالي 20 مواطنًا إسبانيًا، ويتم إجلاء الجميع علي متن رحلة مدنية توفرها إيطاليا. ولاتزال التوترات في العاصمة مرتفعة، مع استمرار المظاهرات في الشوارع ووقف إطلاق النار الذي لا يزال يبدو غير مؤكد. وتجمع مئات المتظاهرين أمام مقر رئيس الوزراء في طرابلس عبد الحميد الدبيبة، مطالبين باستقالته واتهموه بالتسبب في استئناف المعارك والخسائر البشرية والمادية.
من جهته، قال المتحدث السابق باسم المجلس الرئاسي الليبي محمد السلاك إن الدولة الليبية أمام خيارين لا ثالث لهما، إما دولة وطنية موحدة ذات سيادة ومؤسسات دستورية منتخبة من الشعب، وإما الفوضي والانقسام.
مشددا علي أن استعادة وحدة الدولة تبدأ من وجود جيش موحد قادر علي السيطرة، وخطة واضحة لجمع السلاح المنتشر منذ عام 2011 في أيدي جماعات عابثة ،لافتا إلي أن غياب الإرادة والدعم الدولي يحول دون بناء مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة، محذرًا من أن استمرار الفوضي يهدد وحدة وسلامة ليبيا.
وعن الأزمة الراهنة في طرابلس قال إنها كشفت هشاشة المعادلة الأمنية في المنطقة الغربية عمومًا، والعاصمة خصوصًا. وأوضح أن هذه المعادلة ارتكزت علي تحالفات وتوازنات هشة بين تشكيلات مسلحة غير نظامية لا ترتبط بقيادة مركزية، بل تتحرك وفقًا للأهواء والمصالح السياسية والاقتصادية، متدخلة في كافة مؤسسات الدولة، بما فيها الشركات النفطية ونوادي كرة القدم.
وأضاف أنّ السنوات الخمس الأخيرة شهدت تضخما غير مسبوق لدور هذه التشكيلات، خاصة منذ تولي حكومة الوحدة المنبثقة عن ملتقي الحوار السياسي، الذي شابه العديد من الشبهات. واعتبر أن ما تشهده العاصمة حاليًا، من قطيعة مع الشرق، واقتتال داخلي في الغرب، وسقوط صواريخ علي المدنيين، يمثل مرحلة غير مسبوقة من الانهيار، مؤكد أن طرابلس تشهد احتجاجات واسعة في عدة مناطق، منها ميدان الجزائر، فشلوم، سوق الجمعة، وتاجوراء، وخرج المواطنون للتعبير عن رفضهم للوضع الراهن.
وأكد أن حكومة الدبيبة تتبع سياسة النفس الطويل، معتقدة أنها قادرة علي احتواء التظاهرات كما فعلت في موجات سابقة، رغم أن الوضع الحالي بلغ حد إطلاق النار علي المتظاهرين، ونهب الممتلكات.
وقال إن هذه الحكومة فتحت النار علي المدنيين، بينما صمتت القوي الدولية التي سبق لها أن تدخلت عام 2011 بحجة حماية المدنيين، متسائلًا عن مصداقية الموقف الدولي الحالي. وشدد علي أن الحل لا يمكن أن يأتي دون إرادة دولية موحدة، وضغط فعلي علي الأطراف الفاعلة للوصول إلي تسوية سياسية شاملة.