حكام الشوارع .. الجيزة ملك أبوه

حكام الشوارع .. الجيزة ملك أبوهيوسف رفعت

الرأى18-5-2025 | 18:02

فى شارع اللبيني ، حيث الزحام أكثر من الناس، والأحلام تُدهس قبل أن تعبر الإشارة، يعيش "علي" ـ حارس العمارة ـ كأن الحياة كلها بانتظار أن يعتذر لها عن شيء لم يرتكبه.. شاب مخلص مجتهد وأمين بملامح التعب وابتسامة لا تحتاج إلى كهرباء، يكفيها الأمل لتضيء وجهه، مرتبه؟ أقل من ثمن عشاء لإثنين فى مطعم لا يقدّم الفاتورة، حياته؟ محاولة دائمة لعيش "اللا شيء" بمزاج كريم.

"علي" مثال حيّ لأسطورة الإنسان الذي يحاول أن يعيش "بلا شيء"، فى عالم مليء بكل شيء. وإن كان هناك شيء يتقنه فهو البحث عن الأمل فى مكان لا يبدو أن الأمل قد زاره منذ زمن.

فكرنا، نحن سكان العمارة أبناء الطيبة النظرية أن نمنحه شيئًا من حياة كريمة .. عربة فاكهة، مشروع صغير، حلم خشبي بأربع فرد كاوتش، يختبئ فيه الرزق ويظهر عند كل زبون.

الحداد تبرّع، النجار ابتسم واشتغل، و"علي" مشى فى الشارع كأنه يقود سفينة نوح أو عربة أحلام ديزني. رأيته بأم عيني يجرّ وراءه المعجزة، لكن ما إن بدأت العجلة تدور، حتى ظهرت العجلة الأخرى: عجلة الواقع، التي حولت العربة إلى تابوت.

نظرات غريبة من أصحاب العربات القديمة المنتشرة على طول الشارع من الدائري الصحراوي وحتى دائري المنيب.

تهامس، تآمر، اقتراب مريب، ثم تهديد ناعم زي النسمة اللي تيجي قبل العاصفة، ثم الجملة التي تعني كل شيء: "إحنا مش واقفين كده من فراغ!"، دخل "خال عاطف" المسرح ، دون أن نراه. رجل لا يبيع تفاحًا ولا يشتري موزًا، لكنه يقرر من يفرش البرتقال ومن يُفرم تحت الأقدام.

قيل إنه "المالك الخفي" لشارع اللبيني، يحكم كما كان يحكم قراصنة الكاريبي : من غير قانون، ومن غير خجل، بمعنى أوضح "لا يملك إلا التهديد".. عرضوا على "علي" أن يتخلى عن الحلم مقابل عمل تحت "منظومة خال عاطف"، ليأكل الفتات تحت أقدام من لا يرحم، أو أن يحلم وحده ويدفع الثمن.. وليس هناك ما هو أغلى من الحلم فى هذه البلد. خال عاطف ليس حالة فردية، بل نموذجا لسيطرة أشخاص بعينهم على قطاعات كاملة من النشاط غير الرسمي تحت أعين الجميع الكل يتواطأ، الجميع يعرف، الكل متفاهم، ولا أحد يجرؤ على أن يعترض.

فى الفاكهة له اسم، فى العيش اسم آخر، حتى فى عربات الكبده والأكل السريع طرف ثالث، والكل متفاهم، منظم، و"مظبط أموره" مع بعض أصحاب القلوب الضعيفة داخل الحي، وأحيانا فى المحافظة نفسها، أما البسطاء، أمثال "على"، فلا مكان لهم وسط هذه المنظومة غير الرسمية التي تفرض سطوتها على الأرض والشارع والرزق.

وما بدأ كفكرة خير، انتهى بكشف قناع عن دولة صغيرة، دولة داخل شارع، ويُفرض فيها منطق "النفوذ غير الرسمي"، وتحكمها "أخلاق" لا علاقة لها بالأخلاق، و"أعراف" لا صلة لها بالعرف، وقوانين ليست قانونية لا تعرف سوى البلطجة.

أعجبني النجار، أعجبني الحداد، ونحن عندما صدّقنا أن النية الطيبة تكفي، لكن لم يعجبني أن يكون للشارع مالك غير الدولة، ولم يعجبني إطلاقا أن تكون هناك سلطة خفية تملك الشوارع بعقليات الإتاوة وتحت حماية من يصمت مقابل تسوية مصالح. وكأن الدولة غائبة أو تتغافل، عن اللبيني، وعن "علي"، وعن عربته التي لم تُكمل يومها الأول.

من شارع اللبيني، أكتب، لا لكي أروي مأساة، ولكن لكي أذكر أن فى كل شارع "خال عاطف"، وفى كل حي دولة أخرى، وفى كل حلم فقير.. كمين!

من الجيزة.. أكتب هذه الاستغاثة.. ليس فقط من أجل "علي"، بل من أجل عشرات ومئات مثله تُجهض أحلامهم قبل أن ترى النور، لأن أحدهم قرر أن "الشارع ملك أبوه".

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان