ربما يكون فيلم شكرا لأنك تحلم معنا من تأليف وإخراج الفلسطينية ليلي عباس ، في دفاعه عن المرأة في مجتمع ذكوري، وفي وضع حيثيات لتمردها، ومحاولتها انتزاع تلك الحقوق، أقرب ما يكون الي الفيلم الأردني «إن شاء الله ولد» من تأليف وإخراج أمجد الرشيد.

لكننا نستطيع القول إنه بينما كان الفيلم الأردني أكثر تعقيدا وأقل إقناعا في الحبكة، فإن فيلم ليلي عباس ، وهو إنتاج فلسطيني ألماني سعودي قطري مصري، أكثر إحكاما من خلال سيناريو يدور في نحو 24 ساعة فقط، ومن خلال هدف واحد وفعل محدد، ويمتاز الفيلم أيضا بالأداء الممتاز لبطلتيه كلارا خوري في دور مريم، وياسمين المصري في دور شقيقتها الصغري نورا، ورغم وجود عدة ملاحظات، فإن التجربة عموما متماسكة، وقد فاز الفيلم بجائزة النجمة الذهبية لأفضل فيلم عربي في دورة مهرجان الجونة الأخيرة، بالمناصفة مع الفيلم التونسي «ماء عين».يجمع بين "شكرا لأنك تحلم معنا" وفيلم "إن شاء الله ولد" الحديث عن مسألة الميراث وفقا للشريعة، وحصول الابن الذكر علي نصف الميراث، ويجمع بينهما أيضا أنه يركز علي محاولة بطلات الحكايتين لانتزاع ما تعتبرنه حقا لهن، ونهج طرق غريبة وغير مألوفة، وربما غير قانونية أيضا.
ولكن أسوأ قراءة للفيلمين أن يقال إنهما يحرضان علي مخالفة القانون، بينما هما يشيران بالأساس الي شعور عارم بالظلم، يدفع الي تلك الممارسات، لمحاولة تحقيق ما هو أقرب الي العدل، والذي يعتبر بدوره روح الشريعة، أي أننا أمام دراسة إجتماعية نفسية لأحوال بطلات الفيلم، تفسر لنا في النهاية لماذأ تلجأن الي هذا السلوك؟ كما أن الفيلمين يطرحان أسئلة حول العدالة عموما، وحول سلوك الرجال بشكل خاص، وكلها أسئلة هامة ومشروعة وواقعية جدا.
أحداث فيلم ليلي عباس تدور في مدينة رام الله بالضفة الغربية، وتكسر الصور النمطية المنتظرة، فرغم ظهور مقاومة الشباب للإحتلال، واحتجاجهم علي ظلمه في مشهد وحيد، بما يتقاطع مع الظلم الخاص التي تعاني منه بطلتي الفيلم، إلا أننا امام طبقة إجتماعية تعيش في مستوي اقتصادي معقول : مريم لم تكمل دراستها، ولكنها متزوجة من 20 سنة، ولديها ولد شاب، وطفل أصغر، ولكنها تريد الانفصال عن زوجها، الذي يرتبط بفتاة أصغر منه، وشقيقتها نورا التي تعمل في عيادة للتجميل، لم تتزوج، ولكنها مرتبطة برجل متزوج وله أولاد، وحلم نورا أن تمتلك مشروعها الخاص، ومريم ونورا لديهما شقيق وحيد هاجر الي أمريكا من سنوات، ولا يعود إلا لزيارة سريعة كل فترة طويلة.
عندما يموت الأب، تطرأ علي بال نورا فكرة تعرضها علي شقيقتها قبل إعلان الوفاة، وهي أن تقوما بتزوير توقيع الأب علي شيك يهب الأب بموجبه ثروته من الدولارات الي ابنتيه فقط، بينما لو لم تفعلا ذلك، سيرث شقيقهما نصف الثروة، مع أنه لم يتحمل فترة مرض الأب الطويلة بعد إصابته بالجلطة.
لكي يمنح السيناريو دعما أخلاقيا لتصرف نورا وشقيقتها، تقول نورا إنها تنفذ رغبة والدها، لأن الموت لم يسعفه لتنفيذ قراره بإعطاء ثروته لابنتيه، وهكذا تؤجل الشقيقتان إعلان موت الأب، ويتحدد هدف الفيلم في إنجاز مهمة صرف الشيك، بينما يطلب البنك من نورا أن يرد الأب بصوته مؤكدا صرف الشيك، وهنا تبدأ رحلة البطلتين لحل هذه المشكلة، وسيتم ذلك خلال أربع وعشرين ساعة، أي في الفترة من معرفة البنتين بوفاة والدهما، وصولا الي جنازة وعزاء الأب.
رغم أننا أمام عملية تزوير صريحة، إلا أن الرحلة ليست سوي تشريح واختبار علاقات الأختين المتوترة مع بعضهما، ومع أخيهما اللامبالي في أمريكا، ومع محيطهما الذكوري، سواء في علاقة مريم مع زوجها (أشرف برهوم)، ومحاولتها الإنفصال، أو من حيث متاعبها كأم مع ابنها الشاب، الذي تغيّب عن مدرسته، أو في علاقة نورا مع حبيبها المتزوج، الذي يتردد في مساعدتها، كما نري أيضا خال الشقيقتين (كامل الباشا)، الذي يرفض التورط كذلك، ونعرف أن هذا الخال ربما يكون أيضا قد استولي علي ميراث شقيقاته.
إلي حد ما كان البناء محكما، رغم ملاحظات واضحة، أبرزها ظهور فكرة الشيك بدون تمهيد بعد الوفاة، وكان يمكن من خلال الحوار الإشارة الي أنها كانت فكرة قديمة مثلا، ومثل إدانة حبيب نورا لتردده، مع أنه فعل طبيعي لعدم التورط في التزوير، بالإضافة ارتفاع المستوي الإقتصادي للبطلتين بما لا يناسب ظروفهما، وكذلك شيطنة كل رجال الفيلم، من المفهوم بالطبع أن قضية الفيلم تتطلب ذلك، ولكن كان سيقوي الدراما أفضل أن نجد ولو نموذج رجالي يساند المرأتين، أو يتفهمهما، وربما يكون ما تقوله نورا من رغبة الأب قبل وفاته في منحها هي وأختها كل ثروته هو التعاطف الوحيد من رجال الفيلم مع المرأة.
ولكننا عموما أمام تشريح انتقادي جيد للمجتمع الذكوري، ولمعاناة المرأة، وشعورها بالظلم في حياة الرجال، وبعد مماتهم، ورغبتهن في الاستقلال الإقتصادي، للتحرر من التبعية والرضوخ، كما أن المعالجة ليست قاتمة أو كئيبة، إذ لا تخلو من لحظات مرحة، وتعليقات ساخرة سواء من نورا، أو من مريم، التي ترفض أن تنتظر لكي تحصل علي الطلاق عندما تتحرر فلسطين !
منذ المشاهد الأولي، ثم موت الأب، يدخلك الفيلم صوتا وصورة وأزمة إلي عالم بطلتيه، ويعيد تفكيك وتركيب علاقاته، ونعرف شخصياته المأزومة عبر أحداث وتفاصيل، وليس من خلال الحوار فقط، نحن أمام أزمة عائلية عميقة أجيد التعبير عنها، قد تتعاطف أو لا تتعاطف، بل قد تدين سلوك البطلتين في التحايل والتزوير، ولكنك ستفهم ظروفهن، وستفكر لماذا قد تغامرن هذه المغامرة التي دفعن إليها تحت الشعور بالظلم والتفرقة والتهميش والرغبة في التمرد علي أحوالهن.
ستلاحظ أيضا أن حضور صوت الآذان، وآيات القرآن التي تتلوها الأختان علي والدهما المسجي أمامهما، تشير إلي أن الحكاية ليست ضد الدين، ولكنها تحاول أن تحقق مقصد الشريعة في العدالة، وأن تلفت النظر الي ظروف المرأة الصعبة والمؤلمة، وأن تفرق بوضوح بين الذكورة كمفهوم بيولوجي، وبين الرجولة كمفهوم اجتماعي، يرتبط بمسؤولية الذكر ونبله واحترامه للمرأة، وفي أحد مشاهد الفيلم تقول نورا إن القوامة تجبر الخال علي الإنفاق علي ابنتي أخته إذا احتجن، فأي رجل يمكنه أن يفعل ذلك ؟!
ليلي عباس مخرجة وكاتبة مميزة، نجحت في عرض حكايتها وقضيتها، دون صخب أو صوت عال، ودون تعقيدات قانونية، ونهاية فيلمها ليست نهاية، ولكني أعتبرها بداية للتأمل والتفكير، فليست هناك نهايات لشعور عارم بالظلم يقود إلي تزوير، حتي لو اكتملت اللعبة، فالأقواس مفتوحة، وهناك حالات مماثلة، وفتاة البنك المتعاطفة خير مثال علي ذلك.
قد يراها البعض نهاية صادمة، ولكننا نحتاج إلي مثل هذه الصدمات لكي نناقش ونراجع ونغير أحوالنا، لأن المعني ليس «شكرا لأنك توفّر معنا»، وفقا لشعار البنك الفلسطيني، وليس «شكرا لأنك تحلم معنا»، وفقا لاسم الفيلم، ولكن المعني هو شكرا لأنك قد تتفهم أخيرا أن هناك مشكلة، ومشكلة خطيرة، تتطلب المواجهة والحل.