في مشهد يُعيد إلي الأذهان سردية كيان الاحتلال الصهيوني المستمرة، خرج رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي ، ديفيد برنيع، ليصف ما أسماه "نقل أرشيف" الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين من سوريا إلي إسرائيل بأنه "إنجاز كبير يحمل أسمي القيم الأخلاقية"..
كوهين الذي أدي مهمات استخبارية في سوريا ، وتم تصعيده في الجيش السوري إلي رتب عليا كشفته المخابرات المصرية ، وأبلغت عنه دمشق، فتم القبض عليه ومحاكمته وإعدامه عام 1965.
في 11 مايو الجاري، أعلنت إسرائيل تنفيذ "عملية خاصة" في العمق السوري، أدت إلي استعادة رفات جندي قُتل خلال المعارك مع القوات السورية والمقاومة اللبنانية شرق لبنان، خلال اجتياح 1982(مر علي موته 43 عاما، وهي مدة كافية لأن يتحول رفاته إلي حفنة رماد عصية علي التمييز!)، تفاصيل العملية ظلّت غامضة، لكن الإعلان عنها جاء في توقيت لافت، يعكس رغبة تل أبيب في تحقيق اختراق رمزي في الساحة السورية التي تشهد تغييرات ميدانية وسياسية متسارعة.
ما سبق هو الإنجاز الإسرائيلي النبيل الذي يشير إليه رئيس الموساد، ولا داع للدهشة فتصريح المسئول الأمني الصهيوني، يبدو متسقًا مع الخطاب الإسرائيلي المعتاد في تمجيد عمليات الغدر والخسة والنذالة، أما كلامه فقد جاء ليكشف مجددًا عن طموحات تل أبيب في استثمار الجوانب الإنسانية لخدمة أجنداتها السياسية والعسكرية، حتي ولو كانت متعلقة بأشلاء جنود دفنتهم الحرب قبل أكثر من أربعة عقود.
اللافت أن هذه ليست المرة الأولي التي تُوظف فيها إسرائيل "عمليات خاصة" لاستعادة وتمجيد رموز استخباراتية ماضية، ففي صيف 2018، أعلنت تل أبيب عن استعادة ساعة اليد الخاصة بالجاسوس كوهين، معتبرة أن الساعة – التي كانت جزءًا من "هويته العربية الزائفة" – تمثل "نصرًا استخباراتيًا" رغم مرور نصف قرن علي مقتله.
العملية الأخيرة تُعيد تسليط الضوء مجددا علي ملفات حساسة تعمل عليها إسرائيل بصمت، مستغلة الظروف التي تمر بها بعض الدول العربية، وخاصة سوريا، حيث تسعي إسرائيل – بحسب مصادر فلسطينية في دمشق – منذ ديسمبر الماضي، إلي معرفة أماكن دفن جثامين لجنود مفقودين، وعلي رأسهم إيلي كوهين، من خلال وسطاء إقليميين ودوليين.
بالطبع يُمكن قراءة هذه العمليات ضمن إطار سيكولجي، ودعائي يتسق مع استراتيجية الكيان الصهيوني التي تكرّس علي الدوام لرؤية أمنية تعتمد فيها علي نبش الذاكرة واستثمار الرموز الإنسانية (نذكّر بالتوظيف الدائم لأسطورة المحرقة "الهولوكست") وتستخدم الدعاية الصهيونية مثل هذه الروايات كوسيلة ناعمة للضغط السياسي وتوجيه الرأي العام، سواء داخليًا أو خارجيًا.
وحين تُضفي دولة احتلال صبغة أخلاقية علي عملية تجري في "أراضي دولة أخري"، دون إذنها أو علمها، فإن الحديث عن القيم يُصبح انتقائيًا، ويعكس ازدواجية المعايير التي طالما اتسمت بها سياسات إسرائيل، خاصة في التعامل مع القضايا العربية.
ويبقي السؤال: هل باتت رفاة الجواسيس والجنود الغزاة وسيلة لتحسين صورة كيان غازي معتد متوحش يمارس كل جرائم الحرب علي مدنيين عزل في فلسطين المحتلة وغزة و سوريا ولبنان واليمن.. أم أن تلك العمليات صارت تتسم بالنبل الأخلاقي في زمن التحولات الذي نعيشه؟