على مدى عقود، ظلت لندن الحليف الأقرب ل واشنطن داخل القارة الأوروبية، حيث جمعتهما علاقات تاريخية ممتدة فى مجالات الدفاع والسياسة والاقتصاد، وعقب عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض، ثار جدل كبير حول ما إذا كان يجب على رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر أن يختار ما بين الوقوف مع الولايات المتحدة أو أوروبا، وحينها رفض رئيس الوزراء أن يتم تخييرُه على هذا الشكل، وقال: «كانت علاقتنا مع الولايات المتحدة حجر الزاوية فى أمننا وازدهارنا لأكثر من قرن من الزمان.. لن نبتعد أبدًا عن ذلك، نحن نسميها العلاقة الخاصة لأن المعاهدة ليست جافة، لكن كتبت بحبر التضحية المشتركة»، مضيفًا أنه لا يحب التفضيل بين الولايات المتحدة و أوروبا بل يحب الاثنتين معًا.
تعهد «ستارمر» ببناء جسور لكليهما، ووعد بالاستثمار بعمق أكبر من أى وقت مضى فى هذه الرابطة عبر المحيط الأطلسى مع «أصدقائنا الأمريكيين وإعادة بناء علاقاتنا مع أوروبا أيضًا».
وبعيدا عن التصريحات الرسمية، بدا مؤخرًا أن بريطانيا تتخذ مواقف فى سياستها الخارجية مختلفة عن الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالعدوان الإسرائيلى على غزة، والحرب الروسية الأوكرانية.
فيما يتعلق بالحرب على غزة، والعلاقة مع إسرائيل، أعلنت الحكومة البريطانية تجميد محادثات جديدة للتجارة الحرة مع إسرائيل، وفرض عقوبات جديدة على المستوطنات فى الضفة الغربية، وأضافت أنها استدعت سفيرة إسرائيل على خلفية توسيع العمليات العسكرية فى قطاع غزة.
وقال وزير الخارجية البريطانى، ديفيد لامى، إن اتفاق التجارة للمملكة المتحدة سارٍ، لكن الحكومة لن تواصل المحادثات مع حكومة إسرائيلية تنتهج سياسات شنيعة فى الضفة الغربية وغزة.
وذكر «لامى» أن دائرة العنف المستمرة، التى يتورط فيها مستوطنون إسرائيليون متطرفون فى الضفة الغربية، تتطلب اتخاذ إجراء. موضحا أن «على عاتق الحكومة الإسرائيلية مسئولية التدخل ووقف هذه الإجراءات العدوانية، وإن عدم تصرفها المستمر يعرض المجتمعات الفلسطينية وحل الدولتين للخطر».
وفيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، توافق الموقف البريطانى مع الموقف الأوروبى، إذ انضمت بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبى فى فرض المزيد من العقوبات على روسيا، حيث أعلنت مؤخرًا فرض 100 عقوبة جديدة بحق شخصيات ومؤسسات روسية، وأوضحت الخارجية البريطانية فى بيان، أن العقوبات الجديدة تستهدف قطاعات الطاقة والجيش والتمويل الروسية.
وعلقت الولايات المتحدة على هذه العقوبات على لسان وزير الخارجية ماركو روبيو بالقول بأنها غير مجدية فى هذا الوقت، وقال روبيو: «الآن، إذا بدأت بالتهديد بفرض عقوبات، فسيتوقف الروس عن التفاوض».
التطورات الأخيرة فى السياسة الخارجية لبريطانيا طرحت تساؤلات عديدة عما إذا كانت لندن قررت اتخاذ المضى بعيدا عن مسارها التقليدى مع السياسة الأمريكية، وفى هذا السياق، ذكر تقرير مطول لصحيفة « واشنطن بوست»، أن حكومة حزب العمال البريطانية تقوم بهدوء، بفصل أجزاء من دبلوماسيتها عن إدارة ترامب.
وأوضحت الصحيفة الأمريكية، أنه فيما يتعلق بالحرب على غزة، والحرب الروسية الأوكرانية، كانت لندن تتصرف بشكل أكثر انسجامًا مع الكتلة الأوروبية، التى فرضت أيضا عقوبات على «أسطول الظل» الروسى من ناقلات النفط فى البحر الأسود، بينما تحاول أيضًا الضغط على إسرائيل بشأن حصارها لغزة. وبينما تتحركان جنبا إلى جنب، تتصرف بريطانيا و أوروبا بشكل مستقل عن واشنطن بطرق كان من الصعب تصورها قبل عام.
ونقلت « واشنطن بوست»، عن «أوليفيا أوسوليفان»، رئيسة برنامج المملكة المتحدة فى العالم فى تشاتام هاوس، وهو مركز أبحاث فى لندن: «هذه إشارة أخرى على أن المملكة المتحدة أكثر استعدادًا لاتخاذ مواقف منفصلة عن الولايات المتحدة وأقرب إلى حلفاء آخرين، إنهم أكثر استعدادا للتحدث والتصرف بشكل أكثر استقلالية».
واستبعدت الصحيفة، أن تتوقع أى من الحكومتين حدوث انقطاع حاد، مؤكدة أن بريطانيا والولايات المتحدة حليفتان تتعاونان وتنسقان فى أغلب الأحيان فى مواجهة الأزمات الدولية.
وفى هذا السياق، حظى رئيس الوزراء كير ستارمر بإشادة لنجاحه فى إدارة الأشهر الأولى المضطربة من ولاية ترامب الثانية دون إثارة موجة من الاستهجان الرئاسى، وتجنبه الرسوم الجمركية الأسوأ فى الحرب التجارية العالمية التى يشنها الرئيس الأمريكى، وأوضح تقرير الصحيفة، أن بريطانيا تجد طريقها الخاص فى كثير من الأحيان، حيث تتفكك المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة، التى كانت متزامنة لعقود، بسبب انفصال ترامب عن عقيدة التجارة والأمن للتحالف الغربى.
إلى جانب الموقف البريطانى المتوافق أوروبيا تجاه حرب غزة والحرب الروسية، أبرمت بريطانيا والاتحاد الأوروبى اتفاقيات أمنية جديدة، بما فى ذلك اتفاقية دفاع مستقلة عن حلف شمال الأطلسى (الناتو) وتقاسم الوصول إلى تمويل وشراء الأسلحة، كانت هذه الصفقات جزءًا من اتفاقيات واسعة النطاق تُمثل أوثق علاقات بريطانيا بالقارة منذ تصويتها على مغادرة الاتحاد الأوروبى قبل ما يقرب من عقد من الزمان.
وسعى ستارمر، وفق التقرير، إلى روابط أوروبية أوثق، فقد خاض حزب العمال الذى ينتمى إليه حملته الانتخابية على أساس إيجاد «إعادة ضبط» للعلاقات مع أوروبا، لكن إعادة الترابط السريع فى العلاقات عبر الأمن والتجارة والدبلوماسية يمثل تأثيرًا مفاجئًا لترامب، نظرا لدعم الرئيس الصريح لبريكست، وكراهيته المعروفة للكتلة الأوروبية.