في اليوم العالمي للإقلاع عن التدخين، تستعرض الباحثة شذى يحيى تاريخ السجائر في مصر بشكل مفصل، من لحظة انتشارها وحتى التأثيرات الاجتماعية والصحية التي صاحبتها عبر العقود، مع تسليط الضوء على الجهود الحديثة للتوعية بمخاطر التدخين.
يعود إقبال المصريين على التدخين، خصوصًا بين الطبقات الشعبية والعمال، إلى فترة قريبة من اختراع السجائر في فرنسا عام 1840م، حيث انتشرت بعد ذلك في أنحاء العالم كافة بعد أن جلب الإنسان التبغ من الأمريكيتين. ومن أشهر أنواع السجائر التي صنعها المصريون في تلك الحقبة كانت ماركات "سمسون أرضي" و"الكوز الوحيد"، والتي مثلت جانبًا من الإنتاج المحلي للسجائر.
شهدت مصر خلال أزمات اقتصادية كبيرة، خاصة بعد أزمة ديون قناة السويس، وضعًا صعبًا على المواطن المصري، لا سيما الفلاحين والمزارعين الذين تحملوا أعباء الديون والضرائب المتزايدة باستمرار. وقد أدى ذلك إلى ظاهرة هجرة كبيرة من الريف إلى المدن، وانتشار ظاهرة الأطفال المشردين وجامعي أعقاب السجائر أو ما عرف بالـ"سبارسية". وكان المواطن العادي، رغم أن مصر كانت مركزًا لإنتاج التبغ، عاجزًا عن شراء السجائر التي كانت تعتبر من أبسط وسائل الترفيه والمتعة إلى جانب الشاي والقهوة، مما دفع البعض إلى جمع أعقاب السجائر وإعادة استخدامها. هذه الظاهرة أثارت استياء الطبقات المتعلمة والراقية، وكان لها حضور بارز في الصحف منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وتم تناولها في الدراما المصرية من خلال أعمال شهيرة مثل مسلسل أسامة أنور عكاشة ومسلسل "ليالي الحلمية".
في ثلاثينيات القرن الماضي، بدأ بعض الأفراد بمحاولة تطوير مهنة جمع أعقاب السجائر وتحويلها إلى صناعة منتظمة. ومن أبرز رواد هذه الصناعة كانت السيدة زينب التي كانت تجمع أعقاب السجائر بالجملة من الجامعين مقابل 45 مليمًا، وتعيد لفها. كما برز "بهلول" الذي أسس مصنع "الكوز الوحيد" الذي اعتمد على أعقاب سجائر نوع واحد فقط وهو "سمسون أرضي"، وبيع 20 سيجارة معاد تدويرها في صندوق بخمسة مليمات، مما شكل ابتكارًا اقتصاديًا بسيطًا في ظل الظروف الصعبة.
ومن المفارقات التاريخية أن الخديوي عباس حلمي كان من أكبر تجار التبغ في العالم، وحصل على لقب "ملك التبغ"، كما أسس مصنع سجائر في بلجيكا، الأمر الذي يدل على سيطرة الأجانب على تجارة التبغ في مصر في تلك الحقبة، رغم الإنتاج المحلي.
ورغم كل تلك التفاصيل التاريخية والاجتماعية، تظل السجائر عادة مضرة للصحة، تسبب العديد من الأمراض الخطيرة. ولهذا السبب قرر المجتمع الدولي تخصيص يوم عالمي للإقلاع عن التدخين يُحتفل به في أواخر شهر مايو من كل عام، بهدف التوعية بأضرار التدخين وتحفيز المدخنين على الإقلاع عن هذه العادة الضارة.
في هذا اليوم، تجدد الجهود للتذكير بالمخاطر الصحية والاجتماعية المرتبطة بالتدخين، وتشجيع مبادرات الصحة العامة للحد من انتشاره وحماية الأجيال القادمة