مما لا شك فيه أن الطعام جزء من ثقافة الشعوب، فكل شعب من الشعوب وكل أمة من الأمم لها من الأطعمة ما تتميز به وينسب إليها.
و الشعب المصري واحد من أهم الشعوب التي تتميز بسمات خاصة في كل شأن من شؤونه، فهو الشعب الظريف الذي يعشق النكتة ويميل إلى السخرية من كل شيء حتى آلامه ونكباته.
وإذا ذكر الطعام المصري ذكرت الطعمية - أو الفلافل كما يسميها أهل الإسكندرية والبحيرة- كطعام مصري أصيل يعشقه شعب مصر بمختلف فئاته وطبقاته.
فذلك الخليط الشهي من الفول المدشوش والبصل والثوم والسمسم والكزبرة والشبت والبقدونس، وبعض التوابل، يتم تقطيعه إلى أقراص مستديرة أو أصابع، ويتم قليه بالزيت ليمثل وجبة شهية اقتصادية مشبعة تسمى "الطعمية" أو " الفلافل".
والمتأمل في الأمر يجد أنه لا علاقة بين الإسم والمكونات، فالمكونات كثيرة ومتنوعة ومختلفة، والاسم يحمل تصغيرا "طعمية" أو تدليلا "فلافل".

ولعل المصريين بذوقهم الرفيع، وحسهم الرقيق اصطلحوا على إطلاق هذا الاسم على ذاك الخليط، وجعلوا من تدليله أو تصغيره دلالة على طعمه اللذيذ وبساطته.
ولا يخلو طعام الفطور المصري من "الفلافل" يستوي في هذا أهل الريف وأهل الحضر، ويتفق في ذلك البسطاء والأثرياء.
وإذا نظرت إلى المصريين في الصباح الباكر وهم يصطفون أمام صانع الطعمية الذي يقف في زهو أمام طاسته فيأخذ قطعة.. قطعة من ذاك الخليط في خفة ثم يقوم بتشكيله في مهارة ثم يلقيه في الزيت في سرعة وهم يرقبونه في إعجاب وكأنه لاعب ماهر يقدم إحدى استعراضاته، ثم يتسابقون ويتدافعون لالتقاط ما يصطاده بكبشته من براثن الزيت المشتعل، لعلمت كم يمثل هذا الطعام البسيط من أمر مبهج يستقبل به المصريون يومهم.
وكأنني بالشاعر العربي ابن الرومي يصف هذا اللاعب الماهر بقوله:
ما أنس لا أنس خبازاً مررت به يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتهــا في كفــه كـــرة وبين رؤيتهــــا قــوراء كالقمــر
إلا بمقــدار ما تنـــداح دائــــرة في صفحة الماء يُرمى فيه بالحجر
أو كأنني بابن الرومي نفسه يصف هذا الطعام الشهي بقوله:
ما إن علمنا من طعامٍ حاضرٍ نعتدّهُ لفجاءة الزوّارِ
كمُهيَّئَيْنِ من المطاعم فيهما شبهٌ من الأبرار والفجارِ
هامٌ وأرغفةٌ وضاءٌ فخمةٌ قد أخرجا من جاحم فوار
كوجوه أهل الجنة ابتسمت لنا مقرونةً بوجوه أهل النار

ولأننا أمة ذات شخصية قوية فإننا نستطيع التأثير في مختلف الشعوب، يحبون ما نحب ويبغضون ما نبغض ويعتقدون ما نعتقد ، ولم يقتصر هذا التأثير على المعطيات الثقافية فحسب، بل امتد إلى العادات والملابس واللهجات و.. الأطعمة.
وانتقل حب "الطعمية" من المصريين إلى غيرهم، فأصبح الوافدون لمصر يشتاقون لتناولها كما يتناولها المصريون، بل إن مطاعم الفول و الطعمية انتقلت من مصر إلى غيرها من البلاد العربية والغربية وأصبحوا يقدمونها باسم " الطعمية المصرية".
وامتدادا لهذا التأثير ، فإن العالم يحتفل في الثاني عشر من يونيو من كل عام، بيوم "الفلافل" العالمي، وهو مناسبة غير رسمية، لكنها تحظى باهتمام واسع من عشاق الطعام حول العالم.
أما عن أصل الفلافل فإنه يعود إلى تاريخ طويل ومعقّد، حيث تعددت الروايات حول المكان الذي وُلدت فيه لأول مرة.
ويتفق المؤرخون أن جذورها تعود إلى مصر، وتحديدًا إلى مدينة الإسكندرية خلال العصور القبطية، حيث كان الأقباط يتناولونها كبديل نباتي للحوم أثناء الصيام.
وهناك من يرى أن الفلافل يعود أصلها إلى الحضارة المصرية القديمة، لأن أساسها من الفول، الذي كان يستخدمه المصري القديم، ويأخذه معه في المقابر من 4000 سنة ماضية، فلم يكن موجودا فقط في حياة المصريين القدماء بل أيضًا في آخرتهم.
ووفقا للروايات المتداولة فإن إطلاق اسم "فلافل" على "الطعمية" في الإسكندرية له قصة تاريخية، ذلك أن أصل الكلمة قبطي، حيث أطلق الأقباط في الإسكندرية عليها هذا الإسم والمكون من ثلاثة أجزاء "فا لا فل" أي "ذات الفول الكثير"، حيث انتشرت بين الأقباط كأكلة بديلة عن اللحوم خلال أيام الصيام.

وتنتشر الفلافل في عدة دول ليس في مصر فقط، ولكن طرق الطهي مختلفة، إذ عرفتها بلاد الشام عن أهل الإسكندرية، واستبدلوا الفول بالحمص ليصبح للطعمية أكثر من طريقة إعداد، وهي رئيسية في وجبة الفطور ومن الممكن تقديمها في أي وقت في اليوم، بالإضافة إلى التجديد فيها وتحويلها إلى طعمية محشية بحشوات مختلفة في أغلب المطاعم الشعبية الموجودة في مصر، حتى يتم التجديد والتغيير في الوصفة.
وفي الختام فإن هذا الطعام البسيط الذي يعد صنعة مصرية أصيلة يعكس بتأثيره في مختلف الشعوب مدى براعة المصريين وقوة شخصيتهم ونجاحهم في التأثير في غيرهم.