كان عم رمضان الصياد، يحاول إخراج الأسماك من براثن شبكته التي ألقاها في النيل، كانت الأسماك تتقافز بحثا عن النجاة إثر خروجها من المياه، ولكن لاحظ إن إحداها كان ساكنا سكون الموت، وخرج من فمها جزء من كيس بلاستيكي يبدو أنه تسبب في اختناقها.
سمكة عم رمضان، حكاية متكررة يوميا في نهر النيل ومياه البحر، نتيجة التلوث البلاستيكي ، الذي لم يعد مجرد تهديد، بل بات خطرا واقعا، يهدد البيئة في الحياة المائية، ويؤثر علي الكائنات الحية فيها.
حد تدريجي
وإيمانا بأن وراء كل كيس بلاستيك نستخدمه لمرة واحدة، يختبئ تهديد طويل الأمد يلاحق صحة الإنسان وسلامة كوكب الأرض، أطلقت مصر حملة وطنية بعنوان "قللها" للتوعية بمخاطر الأكياس البلاستيكية أحادية الاستخدام.
وبحسب الدكتورة ياسمين فؤاد وزيرة البيئة، فإن الحملة تأتي ضمن مساعي الحد التدريجي من استخدام البلاستيك، خاصة مع اقتراب التوصل إلي اتفاق دولي ملزم للحد من التلوث البلاستيكي خلال الفترة المقبلة، ومع الإجراءات التي اتخذتها بعض الدول ومنها دول الاتحاد الأوروبي بفرض غرامات علي استخدامه، كما منعته بشكل كامل دول مثل كينيا ورواندا.
فوائد عديدة
ولتقليل إنتاج الأكياس البلاستيكية فوائد عديدة كما تري الوزيرة، منها تقليص فاتورة استيراد المواد الخام، ما يعود بالنفع علي المُصنع من التوافق مع البيئة وتصنيع أكياس صديقة للبيئة، كما يفيد المستهلك بتمكنه من استخدام الكيس أكثر من مرة وبالتالي تقليل التكلفة وتقليل معدل إنتاجها.
ويتسبب استخدام البلاستيك في أضرار كبيرة للكائنات الحية البرية والبحرية، حيث دللت د. ياسمين فؤاد، ذلك بقصة تأثيره علي الماعز بمنطقة قلعان، التي وجد نسبة كبيرة منه مستقرة بمعدتها، مما دفع إلي التوجه لإنتاج أكياس صديقة للبيئة، موضحة أن دعم هذا التوجه يتطلب وضع مجموعة من الضوابط مع قطاع الصناعة، وكذلك استخدام تكنولوجيات حديثة، فضلًا عن تدريب للعاملين في هذا المجال، بما يساهم في تعزيز الاستثمار الأخضر، خاصة مع تضمن قانون الاستثمار الجديد حوافز لـ 5 مجالات ومنها الاستثمار الخاص باستخدام بدائل البلاستيك، كجزء من سياسة الدولة لخلق مناخ داعم بخطوات ثابتة لتحقيق العدالة والتنمية في نفس الوقت.
انقراض الأحياء
ووفقا لتقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ينتج العالم أكثر من 430 مليون طن من البلاستيك سنويا، نصفها تقريبا يستخدم مرة واحدة فقط، والأسوأ أن ما بين 19 مليون طن إلي 23 مليون طن من هذه النفايات البلاستيكية تجد طريقها إلي المسطحات المائية سنويا، أي ما يعادل حمولة شاحنة نفايات بلاستيكية تلقي في البحر كل دقيقة.
ويلقي التلوث البلاستيكي بثقله القاتل علي الحياة البحرية، إذ تقدر الإحصائيات أن أكثر من 100 ألف حيوان بحري (كالدلافين، الحيتان، والفقمات) تموت سنويا بسبب التهام أو تشابكها في نفايات بلاستيكية، وفقا لمنظمة أوشين كونسيرفنسي.
وتظهر الدراسات أن نحو 90% من الطيور البحرية ابتلعت البلاستيك، وأن هذه النسبة قد تصل إلي 99% بحلول نهاية العام 2050 إذا استمر الوضع علي ما هو عليه، كما وجدت جامعة "بليموث" البريطانية أن أكثر من 700 نوع بحري تأثر مباشرة بالتلوث البلاستيكي، منها 17% مهددة بالانقراض.
فجوة في الإدارة
وفي مصر، فتشير بيانات غرفة الصناعات الكيماوية إلي أن صناعة البلاستيك تضم أكثر من 12 ألف شركة مسجلة رسميا، بإجمالي استثمارات 12 مليار دولار، ويعمل بها نحو 12 ألف عامل.
في المقابل، لا تتجاوز معدلات التدوير نسبة 15% من إجمالي المخلفات البلاستيكية، ما يعكس فجوة كبيرة في الإدارة المستدامة لهذه المواد.
قانون المخلفات
ويؤكد ياسر عبد الله، الرئيس التنفيذي لجهاز تنظيم إدارة المخلفات، أن الإطار التنفيذي لاستخدام البلاستيك في مصر، برغم كل شيء شهد تطورا كبيرا خلال الأعوام القليلة الماضية، خاصة بعد إصدار قانون المخلفات رقم 202 لسنة 2020.
ترتكز المنظومة الجديدة بحسب عبد الله، علي تحديد الأدوار بوضوح، وتعزيز دور الدولة التخطيطي والتنظيمي، مع تمكين القطاع الخاص عبر حوافز استثمارية لتشجيع دخولهم في مشروعات الإدارة والتدوير، لافتا إلي أن الدولة خصصت مليارات الجنيهات لإنشاء محطات وسيطة، ومصانع تدوير، ومدافن صحية في مختلف المحافظات.
كما أكد الرئيس التنفيذي لجهاز تنظيم إدارة المخلفات، أن مبدأ المسئولية الممتدة للمنتج بات حجر الزاوية في المنظومة الجديدة، حيث تتحمل الشركات مسؤولية منتجاتها حتي نهاية دورة حياتها، بما في ذلك جمعها وتدويرها.
الاقتصاد الدائري
وقد حصل أكثر من 480 مستثمرا، علي تمويل عبر مكتب الالتزام البيئي، بإجمالي بلغ 900 مليون جنيه، لتنفيذ مشروعات صديقة للبيئة، كما أوضح د. شريف الجبلي، رئيس غرفة الصناعات الكيماوية.
إن من بين هذه المشروعات، أكثر من 40 مشروعا تطيق تكنولوجيات إعادة تدوير البلاستيك، باستثمارات بلغت 150 مليون جنيه، هذه المشروعات بحسب «الجبلي»، تعد نماذج عملية لتطبيق الاقتصاد الدائري في مصر، داعيا إلي منح الصناعة فترة انتقالية لتقليل استخدام البلاستيك تدريجيا.
صادرات معاد تدويرها
وشدد المهندس محمد سمير، الرئيس التنفيذي لإحدي شركات التغليف، علي أهمية اعتماد مبدأ «الاقتصاد الأخضر العادل»، مؤكدًا أن شركته تنتج مواد تغليف بلاستيكية من مواد معاد تدويرها بنسبة 100%، يتم تصديرها إلي 12 دولة.
وأوضح أن الدول الأوروبية لم تحظر البلاستيك نهائيا، لكنها اشترطت أن يكون معاد التدوير. وقال: «المطلوب ليس المنع الكلي، بل التحول الذكي من مستهلك إلي منتج ومصدر للبلاستيك المعاد تدويره».
والتحول نحو بدائل أكثر استدامة لا يتوقف عند التصنيع، بل يمتد إلي استراتيجية المتاجر الكبري وسلوك المستهلك، كما يري عاصم منصور، ممثل لإحدي سلاسل تجارة التجزئة الشهيرة، مؤكدًا أن الهدف الرئيسي هو رفع الوعي العام بمخاطر البلاستيك، وتوفير بدائل صديقة للبيئة بأسعار مناسبة.
أما هاجر كمال، مديرة الاستدامة في إحدي سلاسل تجارة التجزئة العالمية العاملة في مصر، فأشارت إلي جهود شركتهم في الحد من استخدام الأكياس البلاستيكية منذ 5 سنوات، واستبدالها بحقائب قابلة لإعادة الاستخدام، ودمج التوعية البيئية في تجربة التسوق.