في حرب الـ «12 يوم ».. من انتصر.. ومن لم ينهزم ؟!

في حرب الـ «12 يوم ».. من انتصر.. ومن لم ينهزم ؟!الحرب

قراءة نتائج الحرب التى استمرت 12 يومًا بين إيران و إسرائيل ، هل يمكن أن تشير إلى تحقيق أحد طرفيها الرئيسيين طهران أو تل أبيب نصرًا حاسمًا، أم أن الحرب انتهت بشعار (لا غالب ولا مغلوب)، حيث لا يمكن اعتبار أى طرف حقق انتصارًا مؤكدًا على الآخر.

على الصعيد الرسمى، أعلنت كل من إيران و إسرائيل الخروج منتصرة من الحرب، التى شاركت فيها الولايات المتحدة بضربات جوية لتدمير منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية، حيث أعلن الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان نهاية حرب الـ 12 يومًا المفروضة على البلاد من جانب إسرائيل، ووصف بزشكيان ما حققته بلاده بأنه «النصر العظيم»، وذلك فى رسالة مكتوبة وجهها إلى الشعب الإيرانى، ونشرتها وسائل إعلام إيرانية رسمية، بينما وصف رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو وقف إطلاق النار بين إيران و إسرائيل بأنه «انتصار تاريخى» لبلاده، وقال فى خطاب تليفزيونى:»هذا الانتصار سيبقى فى الذاكرة لأجيال، لقد أزلنا تهديدين وجوديين مباشرين من إيران، التهديد النووى وتهديد الصواريخ الباليستية»، وأضاف أن الجيش الإسرائيلى قضى على كبار القادة الإيرانيين، بينهم ثلاثة من رؤساء الأركان وعلماء فى الطاقة النووية ومسئولون كبار آخرون، وشدد نتنياهو على أن الحملة الإسرائيلية دمرت كذلك مواقع نووية فى أصفهان ونطنز وآراك، كما أشاد بمشاركة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى دعم الحملة الإسرائيلية على إيران.

قال نتنياهو: «لقد وقف صديقنا الرئيس ترامب إلى جانبنا بشكل غير مسبوق بتوجيهاته، دمر الجيش الأمريكى موقع التخصيب فى أعماق الأرض فى فوردو».
وبعيدًا عن التصريحات الرسمية، حاول المحللون والمتخصصون تناول حسابات المكسب والخسارة لكل الأطراف، خاصة أن كل طرف يرى الهزيمة والنصر من منظور مختلف.

حفظ ماء الوجه!

فى هذا السياق، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز»، تقريرا تحليليًا للكاتبة «فرناز فاسيحى»، بعنوان «هل يمكن ل إيران و إسرائيل والولايات المتحدة أن تدعى جميعها الآن أنها انتصرت؟»، قالت فيه إن التصريحات التى أطلقتها البلدان الثلاثة بعد إعلان وقف إطلاق النار أفسحت المجال لأن يقول كل طرف روايته، إذ بات بإمكان واشنطن أن تقول إنها أضعفت برنامج إيران النووى، وأن تزعم تل أبيب أنها أنهكت طهران، فى حين تستطيع إيران بدورها أن تقول إنها صمدت وتصدت لقوى عسكرية أقوى بكثير.
وتناولت الكاتبة، أسباب قبول إيران وقف إطلاق النار، فقالت: «بالنسبة إلى طهران فقد عقد المجلس الأعلى للأمن القومى فى البلاد صباح الإإإثنين الماضى اجتماعًا طارئًا لمناقشة الرد على الولايات المتحدة بعد قصفها ثلاث منشآت نووية رئيسية، وهى ضربة خطرة أخرى بعد أسبوع من الهجمات الإسرائيلية التى ألحقت أضرارًا جسيمة بالقيادة العسكرية والبنية التحتية الإيرانية، حيث كانت طهران بحاجة إلى «حفظ ماء الوجه».

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز»، عن أربعة مسئولين إيرانيين قولهم، إن المرشد الأعلى الإيرانى آية الله على خامنئى أصدر من داخل مخبئه المحصن أمرًا بالرد على الهجوم الأمريكى، لكنه فى الوقت ذاته أرسل تعليمات بأن يجرى احتواء الضربات لتجنب حرب شاملة مع واشنطن، مشيرة إلى أن إيران أرادت ضرب هدف أمريكى فى المنطقة، لكنها كانت حريصة أيضًا على منع مزيد من الهجمات الأمريكية، لذا اختار الحرس الثورى الإيرانى قاعدة العديد الجوية فى قطر لسببين، أولهما: أنها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية فى المنطقة، والثانى: لاعتقادهم بأن «العديد» كانت متورطة فى تنسيق ضربات واشنطن على المنشآت النووية الإيرانية، لكن نظرًا لوجودها فى قطر، الحليف المقرب من إيران، اعتقد المسئولون الإيرانيون أيضًا أن الأضرار يمكن أن تكون ضئيلة إلى حد ما.

حسب الصحيفة، وقبل ساعات عدة من توجيه الضربة، بدأت إيران بإرسال إشعار مسبق بأن الضربة كانت وشيكة ومررت الرسالة عبر وسطاء، فأغلقت قطر مجالها الجوى، وجرى تحذير الأمريكيين، وبالتوازى مع ذلك روجت طهران أمام الرأى العام لديها لضربتها ضد الأمريكيين على أنها ثمن مهاجمة إيران، مشيرة إلى أنه خلف الكواليس، وفق المصادر الإيرانية، كان قادة طهران يأملون بأن يقنعوا الرئيس ترامب بالتراجع بعد هجومهم المحدود وتحذيرهم المسبق، كما كانوا يأملون أيضًا بأن تضغط واشنطن على إسرائيل لإنهاء غاراتها الجوية العنيفة على إيران.

وقبل إطلاق النار على القوات الأمريكية فى قطر، كانت الخطة تقضى بعدم قتل أى أمريكيين حتى لا يدفع الأمر الولايات المتحدة إلى الانتقام ويقود إلى دورة من الهجمات، وهو ما بدا أنه «نجح بالفعل» وفق الصحيفة، إذ أعلن بعدها الرئيس ترامب أن 13 من أصل 14 صاروخا إيرانيا جرى إطلاقها على قاعدة العديد، ولم يُقتل أو يُجرح أى أمريكى هناك، وأن الأضرار كانت ضئيلة، ثم أُعلن وقف إطلاق النار بين الطرفين.

3 روايات للنصر!

نقلت صحيفة «نيويورك تايمز»، عن «على واعظ» مدير مكتب إيران فى مجموعة الأزمات الدولية قوله، إنه بعد هذا المشهد أصبح كل طرف يملك «رواية للنصر»، مع تجنب خطر التعثر فى صراع أكبر مع عواقب وخيمة على المنطقة وخارجها، مضيفًا: «هنا يمكن للولايات المتحدة أن تقول إنها أضعفت برنامج إيران النووى، وتستطيع إسرائيل أن تقول إنها أضعفت إيران، وهى خصم إقليمى، كما تستطيع طهران أن تقول إنها صمدت وتصدت لقوى عسكرية أقوى بكثير».

وبينما قصفت الولايات المتحدة منشآت فوردو ونطنز وأصفهان النووية باستخدام قاذفات شبح من طراز «بى-2»، وإعلان الرئيس ترامب لاحقًا تحقيق إنجاز عسكرى رائع، إلا أنه لم يُكشف بعد عن حجم الأضرار، ولهذا قد يبدو بالنسبة إلى إيران أن أهداف إسرائيل المعلنة من عملياتها العسكرية، والمتمثلة فى القضاء على برنامجيها النووى والصاروخى، لم تتحقق، وعليه تقول الصحيفة الأمريكية إن المسئولين الغربيين يعترفون بأنه على الرغم من الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية لكنهم ليسوا متأكدين مما حدث لمخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وهل لدى إيران القدرة على زيادة تخصيب اليورانيوم؟!

أما إسرائيل التى تتمسك بتمكنها من تحقيق جميع أهداف الحرب، وإزالة تهديد وجودى مزدوج فى المجالين النووى والصواريخ الباليستية، وبحسب الصحيفة، فإن المكاسب التى أنجزتها مقارنة بالخسائر كان كبيرًا، ولا سيما على صعيد تحقيق السيطرة الجوية فى سماء إيران، وتدمير عشرات الأهداف العسكرية والأمنية، فضلاً عن إلحاق أضرار جسيمة بقيادتها العسكرية، ودعم واشنطن اللامحدود لها على الصعيدين الدفاعى، والمشاركة فى تدمير المفاعلات النووية فى فوردو ونطنز وأصفهان.
مستقبل النووى الإيرانى

تقرير آخر للكاتبة «ميشيل جولدبرج»، فى صحيفة «نيويورك تايمز» أيضا، ذكرت فيه أن الحرب أو المواجهة بين إسرائيل وإيران- كما أسمتها- انتهت دون إنجاز المهمة، وقالت إن إسرائيل ربما أدهشت العالم بمهارتها التكتيكية فى حربها الأخيرة ضد إيران، لكنها خاسرة، على الأقل حتى الآن، حيث لم تحقق ما أرادت هى والولايات المتحدة تحقيقه وهو وقف البرنامج النووى الإيرانى، ومن المرجح الآن، وليس المستبعد أن تصبح إيران قوة نووية.

وأشارت الصحيفة إلى التقرير السرى الأولى لوكالة الاستخبارات العسكرية الذى وجد أن حملة القصف الأمريكية أعاقت البرنامج النووى الإيرانى لأشهر، وليس لسنوات.
وقالت الكاتبة، إنه من المبكر الحديث عن مستقبل البرنامج النووى، لكن يبدو أن إيران قد نقلت الكثير من اليورانيوم عالى التخصيب قبل الهجوم الأمريكى، ربما إلى منشآت سرية، ويبدو أن المواقع التى تعرضت للقصف لم تتكبد نفس القدر من الضرر الذى كان يأمله المسئولون فى الإدارة، مع بقاء العديد من أجهزة الطرد المركزى سليمة.

ومن جهة أخرى، كشفت الحرب عن حجم الاختراق الاستخباراتى الإسرائيلى لإيران، لكنها لا تستطيع على المدى القريب مواصلة الحرب بدون إغضاب ترامب الذى لن يبدأها من جديد وفى أى وقت قريب، لكى لا يخرب سردية النجاح، ونقلت الكاتبة عن «جون ولفستال» مدير منع انتشار الأسلحة النووية فى إدارة باراك أوباما قوله: «الآن وقد برهنت أمريكا و إسرائيل قدراتهما بشكل أساسى، وأطلقتا النيران، لكنهما لم تتخلصا من البرنامج النووى الإيرانى، ولم تطيحا بالنظام».

وأشار ولفستال، إلى أن إيران أضُعفت وتعرضت للإهانة بسبب الهجوم الإسرائيلى الذى كشف عن عمق الاختراق الإسرائيلى للنظام، وكذلك كشف عن عزلتها الدولية، وربما حفزها أداؤها المزرى للبحث عن طرق سريعة لإنتاج السلاح النووى، وقال «لقد هُوجمت من قبل دولتين نوويتين، وهو ما يجعل من الحصول على السلاح النووى ضروريًا من النظرة الأمنية».

وأوضح ولفستال، أن إيران وحتى قبل 12 يومًا، كانت تتعاون جزئيًا على الأقل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما أتاح للوكالة الوصول إلى المواد والمنشآت النووية فى إيران. وقال: «لقد ضاع كل ذلك الآن، ولا أعتقد أنه سيعود قريبا».

لم تختلف صحيفة «الجارديان» البريطانية كثيرًا، فذكرت أن الحرب انتهت، لكن لم يتضح من الطرف المنتصر فيها، مشيرة إلى أن ذلك ربما يظهر مع مرور الوقت، ووفقًا للصحيفة، فإن البرنامج النووى الإيرانى- الذى بدأت الحرب من أجله - تعثر لكنه قد يكون اكتسب قدرة أكبر على الصمود.

بدورها، قالت صحيفة «التايمز» البريطانية إن إيران تضررت من الحرب لكنها لم تخرج منهزمة، لافتة إلى أن الهدف كان تفكيك برنامجها النووى والقضاء على قدراتها الصاروخية، وحسب الصحيفة، فإن المنشآت النووية -حتى مع الدمار الذى لحق بها- يمكن إعادة بنائها، فى حين بدت إيران قادرة على الاستمرار بإطلاق الصواريخ لأسابيع وربما لأشهر.

واشنطن شريك موثوق

من ناحية أخرى، ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، أن الولايات المتحدة الأمريكية حققت انتصارًا كبيرًا فى هذه الحرب، ففى تقرير للكاتبة «كارين إليوت هاوس»، ذكرت أن الضربة التى وجّهتها الولايات المتحدة مؤخراً إلى إيران ربما تكون أضعفت الإمكانات النووية الإيرانية، وربما لم تفعل، لكن الأمر المؤكد هو أن واشنطن استعادت بهذه الضربة مِصداقيتها وقدرتها على الردع، وقالت كارين إن هذه الضربة الأمريكية دفعت المرشد الأعلى الإيرانى على خامنئى إلى الاختباء فى ملجأ تحت الأرض.

ورأت كارين، أن الولايات المتحدة برهنت لشركائها فى منطقة الشرق الأوسط أنها شريك يمكن الاعتماد عليه، على نحو أكثر مما بدت عليه واشنطن خلال الأعوام العشرة الأخيرة، فى نفس الوقت الذى بدت فيه روسيا والصين- حليفتى إيران المفترضتين- عاجزتين تكتفيان بمشاهدة الأخيرة تتعرض للهجوم.

أما مجلة «الإيكونوميست» البريطانية، فذكرت أنه بعد كل هذه الضربات الأمريكية والإسرائيلية الثقيلة على منشآت طهران فى نطنز وفوردو وأصفهان، لن تتخلى إيران عن برنامجها النووى أو التكنولوجيا التى أتقنتها لسنوات طويلة، وقد يقرر المرشد الأعلى، آية الله على خامنئى، فى ظل شعوره بالغدر والاستياء، أن نظامه بحاجة إلى أسلحة نووية للبقاء. وحتى لو دُمرت معظم منشآته، فقد يُستأنف البرنامج سرًا.

صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية قالت إنه على الرغم من أن انتهاء الحرب بين إيران و إسرائيل أوقف الانفجار الإقليمى، لكنه لم ينه التوترات أو يضمن استقرار الشرق الأوسط، بل كشف عن واقع سياسى معقد يواجهه كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو فى محاولتهما لإعادة تشكيل المنطقة.

أضف تعليق