"بنعمل ترند".. حين تتحوّل الشهرة من طموح إلى عبء نفسي

"بنعمل ترند".. حين تتحوّل الشهرة من طموح إلى عبء نفسيصورة أرشيفية

في عالم يتغيّر إيقاعه سريعا وتتبدل فيه القيم على وقع نقرات الهواتف، تحولت الشهرة من حالة نادرة تُكتسب بالموهبة والتميز إلى هدف جماهيري يسعى إليه الملايين، ولم تعد منصات التواصل مجرد وسيلة للتعبير أو التواصل بل أصبحت ساحة تنافسية محفوفة بالمبالغات والاستعراض، وتحولت معها الشهرة إلى "هوس" جماعي يتجاوز التسلية ليهدد الاستقرار النفسي والمجتمعي.

في هذا السياق، تحذر أ.د. نسرين البغدادي، أستاذ علم الاجتماع ب المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وعضو المجلس القومي للمرأة، من تداعيات هذه الظاهرة، من خلال ورقة بحثية حيث قالت إن هوس الشهرة لم يعد قاصرا على فئة عمرية أو طبقة اجتماعية بعينها، بل صار سلوكا شائعا عابرا للحدود والطبقات؛ فقد سهلت التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي للجميع إنشاء محتوى شخصي ونشره على الملأ دون وجود معايير واضحة للجدارة أو الفائدة، حتى إن بعض الأفراد يعمدون إلى شراء المتابعين وصناعة شهرة زائفة لا تقوم على أي محتوى ذي قيمة.

ومع تزايد الانفتاح غير المنضبط على هذه المنصات، تصاعدت موجة من السلوكيات التي تهدف فقط إلى لفت الانتباه، حتى لو كانت مثيرة للجدل أو صادمة أو تمس خصوصيات الفرد والمجتمع، وتحوّلت قضايا كانت تُعد من المحرمات الاجتماعية إلى مواد شائعة ومتداولة لمجرد زيادة المشاهدات والتفاعل، مستفيدة من غياب الرقابة وصعوبة تعقب الحسابات المزيفة، وتكريس نزعة الاستعراض والمبالغة في التجميل والتجمل ما عمّق بدوره ثقافة "الأنا" والتمركز حول الذات.

وأضافت أن ثمة فارقا جوهريا بين "الشهرة المتزنة" التي تنبع من الجهد الحقيقي والإبداع، و"هوس الشهرة" الذي يرتكز على الظهور بأي وسيلة، دون اعتبار للقيمة أو المضمون، فالأولى تُكسب صاحبها احتراما وتأثيرا، أما الثانية فتغذي سلوكيات مختلة قد تتسبب في ضرر نفسي واجتماعي طويل المدى، مؤكدة أنه يمكن تعريف "الهوس" بأنه حالة من الانشغال المفرط وغير الطبيعي بفكرة أو سلوك، يترافق عادة مع اندفاع وقلق واضطرابات مزاجية، وقد يصل الأمر إلى الاكتئاب أو فقدان الإحساس بالواقع. أما اجتماعيا، فإن الهوس بالشهرة يخلق ضغطا مستمرا على الفرد، ويجعله سجينا لصورة رقمية يحاول حمايتها وتغذيتها باستمرار، حتى على حساب ذاته وحياته.

وتؤكد البغدادي أن الكثير من مظاهر الشهرة المعاصرة باتت تبنى على الاستعراض المادي والحديث عن العلاقات والترف، لا على الإنجاز أو المحتوى المعرفي أو الثقافي، ما يعكس انحسارا واضحا للقيم التي كانت ترتكز على العلم أو النسب أو الأخلاق.

وأشارت في الورقة البحثية إلى أن تحول صناعة المحتوى إلى مهنة مربحة، خاصة على منصات مثل تيك توك وإنستجرام ويوتيوب، أدى إلى دخول فئات جديدة من الأطفال والمراهقين إلى هذا المجال بحثا عن الشهرة والمال، مما ساهم في طمس الفروق بين الحياة الخاصة والعامة. وتحولت تفاصيل الحياة اليومية – من الولادة والموت والطعام والمشاعر – إلى مشاهد علنية، تستهلك وتُقيم من الغرباء.

وفي هذا السياق، تلفت البغدادي إلى مصطلح "متلازمة الثروة المفاجئة" الذي ظهر في التسعينيات خلال فقاعة الإنترنت، ليصف حالة من القلق والذنب والعزلة التي تصيب من يحققون ثراء أو شهرة مفاجئة دون استعداد نفسي، وهي حالة منتشرة حاليا بين العديد من صناع المحتوى الجدد الذين يصعدون بسرعة بمحتوى سطحي، ثم ينهارون تحت وطأة الضغوط النفسية والجمهور.

أما "ركوب الترند"، فتصفه البغدادي بأنه أحد أخطر مظاهر هوس الشهرة، حيث يسارع البعض للمشاركة في أي موضوع شائع، مهما كان سطحيًا أو متناقضا مع قناعاتهم أو محتواهم، بهدف البقاء في دائرة الضوء، وهو سلوك يولّد ضغطا دائما، ويدفع الفرد إلى تبني أسلوب أداء مسرحي سريع وردود أفعال مفتعلة لجذب الانتباه.

وحذرت من أن سهولة نشر المحتوى دون وجود ضوابط واضحة على المنصات، دفعت البعض إلى القيام بتصرفات صادمة أو غير لائقة – كأكل أشياء غريبة أو تحديات خطيرة – بهدف التميز والشهرة. وكلما ازداد التفاعل، ازداد تعلقهم بوهم القبول، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمة، لافتة إلى أن ضعف العلاقات الاجتماعية التقليدية – مثل الأسرة الممتدة والجيران والمجتمع المحلي – جعل الأفراد ينسحبون أكثر نحو العالم الافتراضي، مما عمّق الإحساس بالوحدة والعزلة. وظهر ما يسمى بـ"الخوف من تفويت الفرصة" (FOMO)، وهو دافع أساسي وراء مشاركة البعض في كل ما هو رائج، حتى وإن كان فارغًا أو ضارًا .

وترى أ. د نسرين البغدادي أن تداعيات هوس الشهرة تنقسم إلى مستويين:

أولًا – على المستوى الفردي :

اضطرابات نفسية حادة

شعور دائم بالوحدة والاغتراب

فقدان القدرة على إدارة الوقت

إهمال الواجبات والمسؤوليات اليومية

عزلة واكتئاب مزمن

انصهار الحياة الواقعية في العالم الرقمي

ثانيًا – على المستوى المجتمعي :

تآكل القيم الأخلاقية والتقاليد الاجتماعية

تفشي الأنانية والنزعة الفردية

انتشار الكراهية والتنمر والعنف اللفظي

تداول معلومات زائفة ومضللة

انفلات استهلاكي رقمي وفكري بلا ضوابط

وُشددت على أن تجاهل هذه الظاهرة من شأنه أن يفرز جيلا يقيس النجاح بعدد الإعجابات وليس بحجم الإنجاز، ما ينذر بمخاطر جسيمة على مستوى الهوية والثقافة العامة.

لذلك، تدعو إلى دور فاعل للأسرة، من خلال متابعة ما يشاهده الأبناء على وسائل التواصل، وتشجيعهم على التفكير النقدي، وتنمية الرقابة الذاتية.

فيما تسلط د. سارة ممدوح، استشاري العلاقات الأسرية والتربوية، الضوء على الآثار النفسية والتربوية لهوس الشهرة الرقمي، خصوصا بين الأطفال والمراهقين، فتقول إن هوس الشهرة يعبّر غالبا عن احتياجات نفسية عميقة غير مشبعة، مثل تدني احترام الذات، أو الحاجة الدائمة للاعتراف والتقدير من الآخرين.

وتوضح أن البيئة الرقمية الحديثة تغذي هذه الحاجات من خلال المكافآت السريعة، كالإعجابات والتعليقات، مما يجعل المستخدمين يقيمون ذاتهم بناء على ردود فعل الجمهور.

وحذرت من أن الأطفال والمراهقين هم الفئة الأكثر هشاشة أمام هذا النوع من الإدمان النفسي، خصوصا في غياب التوجيه الأسري السليم، وتشير إلى أن بعض الأسر تسهِم – عن غير قصد – في ترسيخ هذا الهوس، عبر تصوير حياة الأبناء اليومية ونشرها للعلن، وهو ما يجعل الطفل يربط بين قيمته الذاتية ووجوده أمام الكاميرا.

وتؤكد د. سارة أن المواجهة تتطلب تجديدا في المفاهيم التربوية داخل البيوت والمدارس، يقوم على تنمية الإحساس بالقيمة الذاتية، وتعزيز قدرات التعبير الإيجابي عن النفس، وتقديم نماذج واقعية للنجاح الحقيقي، كما تشدد على ضرورة إدماج جلسات الدعم النفسي والتربوي في المدارس، لتعزيز التفكير النقدي، وتقوية الصلة بين العالم الحقيقي والافتراضي.

إن ظاهرة هوس الشهرة لم تعد مجرد سلوك فردي عابر، بل تحولت إلى نمط اجتماعي وثقافي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، مهددًا الصحة النفسية للأفراد وتماسك المجتمع. وهي دعوة صريحة إلى أن نتوقف أمام هذه الموجة الجارفة، لا لنمنعها، بل لنفهمها ونضع لها حدودا تحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع توازنه.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان