البيانولا ... آلة الهامش التي عزفت لحن الشارع المصري

البيانولا ... آلة الهامش التي عزفت لحن الشارع المصريالبيانولا

قبل أن تقتحم الكهرباء الأزقة، وقبل أن يصير الغناء سلعة في شرائط الكاسيت والراديو، كانت هناك آلة خشبية غريبة الشكل، يتجمع حولها الأطفال والنساء والباعة، ترقص معها الأرواح قبل الأقدام، وتهتز على وقعها الأرصفة. إنها "البيانولا"، تلك الآلة الموسيقية اليدوية التي عبرت البحار من بلاد المتوسط إلى حواري القاهرة والإسكندرية، حاملة معها موسيقى الفقراء وحكايا المهمشين. في هذا التقرير نعيد سرد الحكاية، من أين جاءت البيانولا؟ من عزفها؟ ولمن غنّت؟ وكيف تحوّلت من وسيلة تسلية إلى رمز اجتماعي وثقافي غائب وحاضر في آن.


"بيانولا بيانولا بيانولا، يا حلولو يا حلولى يا حلولا"، هكذا غنى سيد درويش، بصوت يحمل وجع الأزمنة الثقيلة وضحكة المهمشين، حين كانت آلة البيانولا تعزف في خلفية الحواري والأزقة، تواسي المنكسرين وتثير البهجة العابرة في قلوب المساكين.


البيانولا ليست مجرد آلة موسيقية، بل قصة عابرة للحدود، هبطت على القاهرة في أوائل القرن العشرين مع موجات الهجرة اليونانية والإيطالية، حين كان الأجنبي في مصر إما ثريا يحتمي بامتيازات تحميه من قوانين البلاد، أو فقيرا هاربا من مجازر وأزمات اقتصادية، لا يحمل سوى موهبته وبقايا أمل في غد أقل قسوة.

كانت البيانولا وسيلة هؤلاء الغرباء لكسب العيش: آلة موسيقية تعتمد على أسطوانة مثقبة تدور بمقبض يدوي، لتعزف نغمات محفوظة مسبقا. يعزفها رجل متأنق، يحملها على كتفه أو ينصبها على حامل في الشارع، يصاحبه مغن أو راقص بسيط، يجمعان ما تجود به الجيوب في دف أو قبعة مقلوبة.

جاءت البيانولا إلى مصر تحديدا من اليونان وإيطاليا وتركيا، وأصبحت جزءا من النسيج الشعبي في المدن الكبرى: القاهرة، الإسكندرية، طنطا، السويس، بل وحتى في الريف. انتشرت ألحانها المبهجة بين الناس، خاصة الأطفال الذين كانوا يرقصون طربًا لها مقابل "نصف فرنك".

في تلك الحقبة، كان لليونانيين حضور كثيف في مصر، إذ وصل عددهم في زمن الحرب العالمية الأولى إلى نحو ربع مليون، فيما كانت الجالية الإيطالية أقل عددًا. ووجد هؤلاء في البيانولا مهنة ومتنفسًا، وعرفت الآلة بأسماء متعددة: اللاترنا في اليونانية، والبيانو البرميلي في الإنجليزية، والهردي جردي في بافاريا، وصندوق الموسيقى في سويسرا.

وتروي المصادر أن أول من صنع البيانولا الحديثة كان الإيطالي "جوزيبي توركوني" واليوناني "جوزيف أراموس" في إسطنبول، ثم تتابعت أسماء الصناع مثل "كارميللو" و"برنديسي" و"على بك". وامتازت آلة اللاترنا بشكلها الفريد: صندوق خشبي فيه نتوءات ميكانيكية، وعليه صورة امرأة جميلة مغطاة بستارة ملونة، ما أضفى عليها طابعًا مسرحيا خلابا.

كانت الأسطوانات المصاحبة لها تحمل ألحانا دينية وأغان شعبية، من البولكا إلى الفالس، من تراتيل الكنائس إلى أهازيج الحانات. وكانت مناسِبة للمناسبات والأعياد، إذ لا تحتاج إلى عازف ماهر بل فقط من يعرف كيف يدير المقبض بإيقاع سليم.

لكن دوام الحال من المحال. بدأت رحلة تراجع البيانولا منذ أواخر الثلاثينيات، مع إلغاء الامتيازات الأجنبية عام 1936، وتجنيد الشباب اليونانيين في الحرب العالمية الثانية، ثم طرد الإيطاليين بعد اعتبارهم رعايا لدولة معادية، وأعقبها موجة ترحيل جديدة عقب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

ومع زوال الأجانب، غابت البيانولا عن الشوارع. وحين غزت الكهرباء المقاهي والمنازل، ودخل الجرامافون والراديو كل بيت، لم تعد تلك الآلة اليدوية قادرة على منافسة التكنولوجيا. وفي عام 1935، صُنعت آخر بيانولا تقليدية في اليونان، على يد الصانع "بوليكاريوس". واليوم، لا يتبقى منها سوى أقل من 200 آلة أصلية، أغلبها لا يعمل.

لكن رغم اختفائها، بقيت البيانولا حاضرة في وجدان المصريين. ألهمت كتابًا مثل صلاح جاهين وسيد حجاب، وغنى لها سيد مكاوي، وعبد المنعم مدبولي، وعفاف راضي. صارت رمزا فنيا يحنّ إليه من عايشه، ويتخيله من لم يره.

"بيانولا وأنا شارلي وباشاور بعصايتي، الدنيا تندارلي تبقى الدنيا مرايتي، ده أنا بيتي وسرايتي وبدايتي ونهايتي.. أنغام البيانولا" — هكذا كتب سيد حجاب، ليختتم رحلة آلة موسيقية بسيطة، كانت ذات يوم عصب الفرح في شوارع تنبض بالفقر والحياة.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان