“تأخر سن الزواج”.. ضغوط خفية وسُبل دعم حقيقية

“تأخر سن الزواج”.. ضغوط خفية وسُبل دعم حقيقيةتأخر سن الزواج

رغم التقدم الكبير الذى حققته المرأة فى ميادين التعليم والعمل والحياة العامة، لا تزال العديد من الفتيات يعانين من ضغوط اجتماعية متزايدة بسبب تأخر الزواج ، حيث يُنظر إلى هذه المسألة فى كثير من الأحيان على أنها خلل يتطلب تفسيرًا أو تبريرًا. وتزداد مشاعر القلق والذنب والخوف لدى هؤلاء الفتيات، لتختبئ خلف ابتسامات منهكة، وتتحول المناسبات الاجتماعية إلى ساحات استجواب حول «لماذا لم تتزوجى بعد؟».

النظرة المجتمعية

فى البداية.. توضح د. سارة رجب، استشارى الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، أن تأخر سن الزواج ليس مشكلة نفسية بحد ذاته، بل تكمن فى نظرة المجتمع التى تربط بين «قيمة المرأة» و «توقيت زواجها»، مما يجعل الفتاة تشعر بالنقص أو الفشل إذا لم تتزوج فى السن المتوقع، وتقول: «الفتيات اللاتى نشأن على أن الهدف الأسمى فى حياتهن هو الزواج، يتعرضن لهزة نفسية قوية عند تأخر هذه الخطوة، حتى وإن كن ناجحات أكاديميًا أو مهنيًا».

وتشير إلى أبرز الآثار النفسية المترتبة على هذه الضغوط:

الخوف المستمر من الوحدة أو فوات الفرصة

فقدان تقدير الذات رغم النجاحات الأخرى

القلق من تعليقات الأقارب والمعارف

الغضب المكبوت أو التمرّد على المفاهيم السائدة

الإحساس بالذنب وكأن تأخر الزواج خطأ تتحمل مسئوليته الفتاة وحدها

وتضيف د. سارة، «إن المجتمع لا يتعامل مع تأخر الزواج كأمر طبيعى ناتج عن تباين ظروف الأفراد، بل يراه إخفاقًا شخصيًا يستوجب التبرير، وفى الغالب، تكون الأسرة او الأم أو الخالة أو حتى الجارة أول من يُحمّل الفتاة هذا العبء».

تمييز مجتمعي

أما د. إيمان عبد المجيد، أستاذة علم الاجتماع، فتلفت النظر إلى أن تأخر الزواج ظاهرة اجتماعية متنامية، ولكنها لا تزال تُناقش بعقلية تقليدية، خصوصًا فى الأوساط الشعبية.

وتوضح: «عندما يتأخر الشاب فى الزواج، يُنظر إليه على أنه يحسن التصرف، بينما تواجه الفتاة المتأخرة بتعليقات سلبية، مثل: (استنيتى ليه؟) أو (القطار هيفوتك)، ما يعكس تمييزًا صريحًا فى تفسير نفس الظاهرة».

وتدعو إلى إعادة تعريف مفهوم النجاح بالنسبة للفتيات، بحيث لا يكون مقترنًا فقط بالزواج، بل بقدرة الفتاة على اتخاذ قراراتها بثقة واستقلالية.

الوصايا الثمانية

و تقدّم د. إيمان مجموعة من النصائح التربوية للأسر حتى تتحول إلى داعم حقيقى لبناتهن :

1 - احترام الأولويات: فقد تختار الفتاة التعليم أو العمل أولًا قبل الزواج.

2 - وقف المقارنات: فلا تقارنوا ابنتكم بمن تزوجن من أقرانها.

3 - تعزيز الثقة بالنفس: امدحوها على نضج قراراتها واستقلالها.

4 - دعم قراراتها الشخصية: حتى إن لم تُفهم بالكامل، فينبغى احترامها.

5 - إتاحة مساحة آمنة للحوار: فلا تجعلوا كل حديث عائلى يدور حول الزواج.

6 - تصحيح المفاهيم: فالزواج ليس الحل لكل المشاكل، وتأخره لا يعنى فشلًا.

7 - تجنب التلميحات المؤذية: مثل «العمر بيجري»، أو «مستنية إيه؟».

8 - التشجيع بدلاً من اللوم: قولوا «نحن فخورون بكِ» بدلاً من «حرام عليكي».

حجم الظاهرة

وأشارت إحدى الدراسات الصادرة عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية إلى أن حوالى 50% من خريجات الجامعات فى مصر لم يتزوجن، ويعود ذلك فى بعض الحالات إلى رغبة الفتيات فى استكمال دراستهن أو تحقيق طموحات مهنية قبل الإقدام على الزواج.

كما كشفت الدراسة عن أن نحو 9 ملايين فتاة قد تجاوزن سن الزواج، وأن نسبة غير المتزوجين من الجنسين تصل إلى نحو 30%، بواقع 29.7% بين الذكور و28.4% بين الإناث.

ورغم أن نظرة المجتمع للفتيات غير المتزوجات قد شهدت تحسنًا نسبيًا – حيث أصبح يُطلق وصف «عانس» على من تتجاوز سن الخامسة والثلاثين بدلًا من منتصف العشرينات كما كان فى السابق إلا أن هذه الظاهرة ما زالت تسبب قلقًا نفسيًا واجتماعيًا واضحًا.

أبعاد اجتماعية

وتقول د. أسماء محمد نبيل، مدرس علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إن استمرار ظاهرة تأخر الزواج يؤدى إلى مشكلات اجتماعية ودينية مثل انتشار الزواج العرفى، والعلاقات غير الشرعية، وارتفاع معدلات الإدمان والتحرش، إلى جانب تدهور الصحة النفسية للشباب والفتيات، مما ينعكس سلبًا على استقرار المجتمع.

وتشير إلى أن من أبرز أسباب تأخر الزواج:

اختلال معايير اختيار الشريك، والتركيز على الماديات والشكليات، ارتفاع المهور والمبالغة فى تجهيز المنزل، البطالة وضعف فرص العمل

نظرة نفسية أخرى حول التأخر

و توضح د. إيناس عبد الله، استشارى الصحة النفسية والتربية الأسرية، أن الكثير من الفتيات لم يعدن يعتبرن الزواج أولوية قصوى، وبدأن فى التركيز على بناء مستقبل علمى أو مهني، وهو تطور صحي، لكن يحتاج إلى توازن مع الجانب الاجتماعى والديني.

وتحذر من تأثير العادات والتقاليد السلبية مثل المقارنات والطلبات المبالغ فيها، كما تشير إلى أن الخوف من الفشل أو الطلاق أو الخيانة أصبح حاجزًا نفسيًا أمام الإقبال على الزواج، نتيجة تجارب سلبية سابقة أو نماذج محبطة.

وتشير بعض الإحصاءات إلى أن نسبة المواليد من الإناث تفوق الذكور بنحو خمسة أضعاف، مما يزيد من فجوة التوازن بين الجنسين. ورغم أن التعدد قد يُطرح كحل شرعي، فإن الرفض المجتمعى للفكرة لا يزال واسعًا، خاصة من قبل النساء.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان