لطالما كانت الهند حليفًا تاريخيًا للولايات المتحدة، وترتبط واشنطن و نيودلهي بعلاقات استراتيجية قوية مبنية علي المصالح المشتركة والتحالفات السياسية، وخلال ولاية ترامب الأولي، تعززت علاقته مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ثم تعززت التطلعات مع عودة الرئيس الأمريكي مرة أخري للبيت الأبيض، للبناء علي ما تم الاتفاق عليه بين البلدين في ولايته الأولي، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع الصين، حيث تعتبر واشنطن نيودلهي شريكًا أساسيًا في مواجهة بكين.
العلاقات بين واشنطن و نيودلهي شهدت توترات واضحة مؤخرًا علي المستويين السياسي والاقتصادي، خاصة علي المستوي السياسي، عندما اشتبكت الهند وباكستان في مايو الماضي، وأعلن ترامب عبر وسائل التواصل أن فريقه توسط للتوصل إلي وقف إطلاق النار في 10 مايو، ورحبت باكستان بهذا الإعلان وأشادت بترامب بل ورشّحته لجائزة نوبل للسلام، أما الهند، فقد استاءت من تصريحات ترامب وأصرت علي أن قوة خارجية لن تملي عليها وقف إطلاق النار.
وطبقًا للعديد من وسائل الإعلام، فقد أغضب موقف الهند الرئيس ترامب شخصيًا، الذي عبر لمساعديه عن استيائه من مودي لأنه لم يوجه له الشكر.
اقتصاديًا، فشلت الدولتان في التوصل لاتفاق تجاري ثنائي، وكانت نقطة الخلاف الرئيسية في مفاوضات الرسوم الجمركية هي إصرار الولايات المتحدة علي فتح الأسواق الزراعية الهندية التي توظف أكثر من 40% من القوي العاملة.
وحتي الآن، أعلن ترامب أن الواردات من الهند ستُفرض عليها رسوم جمركية بنسبة 25%، مع تهديده بفرض زيادة كبيرة أخري، بالإضافة لعقوبات لم يحددها، بسبب مشتريات الهند من النفط الروسي، وقال في منشور علي موقع التواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، إن الهند «لا تشتري كميات هائلة من النفط الروسي فحسب، بل تبيع جزءًا كبيرًا منه أيضاً في السوق المفتوحة لتحقيق أرباح طائلة. لا يهمهم عدد الأشخاص الذين يقتلون في أوكرانيا علي يد آلة الحرب الروسية».
كما اتهم «ستيفن ميلر» كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الحكومة الهندية بأنها تساهم في تمويل الحملة العسكرية الروسية ضد أوكرانيا من خلال شراء النفط من موسكو، ويُعد ستيفن ميلر أحد أكثر الشخصيات نفوذًا في دائرة ترامب، وكان يشغل منصب نائب رئيس موظفي البيت الأبيض خلال ولايته الأولي.
هذه التصريحات اعتبرت من بين أشد الانتقادات العلنية التي يوجهها مسئول رفيع في إدارة ترامب ضد أحد أبرز شركاء الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وجاء الرد الهندي سريعًا، إذ اعتمد رئيس الوزراء الهندي لهجة متحدية في مواجهة تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية، داعيًا المواطنين إلي دعم المنتجات المحلية. حسب وكالة «بلومبرج» الإخبارية.
وأفادت مصادر مطلعة لوكالة «بلومبرج»، أن هذه الدعوة تأتي في وقت لم تصدر فيه حكومته أية تعليمات لمصافي النفط الهندية بوقف شراء النفط الروسي، وأكدت هذه المصادر أن الحكومة الهندية لم تتخذ قرارًا بوقف عمليات الشراء، وأن المصافي الحكومية والخاصة لا تزال حرة في شراء النفط من المصادر التي تفضلها.
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، أن الهند ستواصل شراء الخام الروسي رغم تهديدات ترامب بفرض عقوبات.
ودخلت موسكو أيضًا علي خط الأزمة، حيث قال الناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، إن محاولة إجبار الدول علي وقف التعامل التجاري مع موسكو «غير قانونية».
وأضاف بيسكوف عن الوضع المتعلق بشراء الهند للنفط الروسي: «للدول ذات السيادة الحق في اختيار شركائها التجاريين»، معتبرًا الضغوط علي شركاء روسيا «تهديدات».
وذكرت وسائل إعلام هندية، أنه من المتوقع أن يزور أجيت دوفال، مستشـــار الأمــــــن القومـــي لرئيـس الــــوزراء الهنـــدي موسكـــــو لتعزيز التعاون بين البلدين، وفي أواخر أغسطس الجاري، يعتزم وزير الخارجية الهندي، ســــوبرامانيــــــام جايشانكار، زيارة روسيا.
وذكرت وسائل الإعلام الهندية، أن تهديدات ترامب للهند بفرض رسوم جمركية أعلي علي السلع الهندية المرتبطة بتجارة البلاد مع روسيا لن تؤدي إلي فتور في العلاقات الروسية الهندية.
وبالإضافة لروسيا، فإن سياسات ترامب تجاه نيودلهي، تدفعها للتقارب مع الصين، وهو ما ذكرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية في تحليل مطول، فاعتبرت أن ترامب يدفع الهند نحو الخضوع للصين، في تخليه عن دعمه لنيودلهي.
ورأت المجلة، أن الهند تُبدي ترددًا في الرضوخ للصين، إلا أنها في الآونة الأخيرة، تجرعت المزيد من الاستفزازات وقدمت تنازلات للصين أكثر من أي وقت مضي منذ حرب الحدود بين البلدين
عام 1962.
وخلال الأشهر الستة الماضية، زار كل من «أجيت دوفال» مستشار الأمن القومي، و«راجناث سينج» وزير الدفاع ، و«فيكرام ميسري» وزير الخارجية، و«جايشانكار» وزير الشئون الخارجية، الصين. وتُوِّجت كل زيارة بتعهدٍ بتطبيع العلاقات.
كما يستعد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لزيارته الخاصة إلي الصين في سبتمبر، مُكملًا بذلك علي ما يبدو سلسلة من قبول المسئولين الهنود للشروط الصينية، وفقًا لما ذكرته «فورين بوليسي».
واعتبرت المجلة الأمريكية، أن التحول الهندي «المهادن» للصين، لم يكن بسبب فقدان مفاجئ للشجاعة الوطنية، ولكن لعودة ترامب الذي جرّدت دبلوماسيته «أمريكا أولًا» الهند من غطائها الاستراتيجي، وأضافت أن الولايات المتحدة في عهد ترامب لا تقدم أي يقين أو ضمانات لحلفائها.