من المناجم .. إلى المليارات

من المناجم .. إلى الملياراتالمناجم

ءفى زمن تتغير فيه خريطة الاقتصاد العالمى بسرعة، وتتصاعد فيه أهمية الموارد الاستراتيجية، يضيء الذهب المصرى من جديد كأحد أعمدة الرؤية الاقتصادية الوطنية، لا باعتباره مجرد مخزن للقيمة، بل كمحرّك فعلى للنمو والتصدير.

وبين طموحات الدولة بتحويل مصر إلى مركز إقليمى وعالمى لصناعة وتجارة الذهب، والجهود الحثيثة لتطوير البنية التشريعية والتقنية، يقف هذا القطاع عند مفترق طرق بين الفرص الهائلة والتحديات القائمة.

فمن طفرة غير مسبوقة فى صادرات الذهب تجاوزت 5 مليارات دولار خلال نصف عام فقط، إلى قفزات مدروسة فى إنتاج المشغولات وتأسيس مصافٍ ومجمعات صناعية عملاقة، تسير الدولة المصرية بخطى واثقة نحو التحول إلى مركز إقليمى لصناعة وتجارة الذهب، واضعة نصب أعينها هدفًا استراتيجيًا: الدخول ضمن قائمة أكبر 10 دول مصدّرة للذهب عالميًا بحلول عام 2027.

وتراهن الدولة على مشروعات كبرى مثل «مدينة الذهب»، ومبادرات تطوير الورش الحرفية، واعتماد تقنيات حديثة كالدمغ بالليزر والتكويد الإلكترونى والبلوك تشين (Blockchain)، لتعزيز تنافسية القطاع كرافعة اقتصادية وتصديرية محورية، تتكامل فى هذه المسيرة جهود وزارات البترول والصناعة والتموين والجهات المعنية، وسط استثمارات محلية وأجنبية متدفقة، وتشريعات تنظيمية حديثة، ورؤية طموحة تدفع ب الذهب من مجرد احتياطى نقدى إلى قاطرة تنموية متكاملة تخلق الوظائف، وتُعزز ميزان المدفوعات، وتُوطّن التكنولوجيا، إنها لحظة تحوّل محورية، تُكتب فيها فصول جديدة من التاريخ الاقتصادى المصرى، يكون فيها الذهب أكثر من مجرد معدن ثمين، بل مستقبل وطن.

فى هذا الملف، نرصد أبعاد التحول الجارى فى سوق الذهب المصري ، بين رؤية استراتيجية تسعى لتحويله إلى رافد حقيقى للاقتصاد القومي، ورؤية تحليلية ناقدة تضع النقاط على الحروف.. فهل تلمع مصر حقًا فى سوق الذهب العالمى أم لا يزال الطريق طويلًا؟!

صناعة تتوهج في قلب الصحراء وتعيد رسم معالم الاقتصاد الوطني

شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية فى سياساتها الاقتصادية، تمثلت فى التوجه إلى تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية غير النفطية، وعلى رأسها الذهب، الذى لم يعد مجرد معدن نفيس يدخل فى صناعة الحُلى والمجوهرات، بل تحول إلى عنصر استراتيجى فى معادلة الاقتصاد الكلى للدولة، يُعوَّل عليه فى دعم الناتج المحلى الإجمالى وزيادة الاحتياطى النقدى وتعزيز القدرة التصديرية وتوطين الصناعات الثقيلة الدقيقة المرتبطة به.

جاءت المؤشرات الأولية فى عام 2025 لتؤكد هذا التوجه الجديد، حيث أظهرت التقارير الرسمية أن صادرات مصر من الذهب بلغت نحو 5 مليارات دولار خلال النصف الأول فقط من العام، وهو رقم غير مسبوق يعكس حجم التحول الجذرى فى الرؤية الاقتصادية للدولة المصرية، ويكشف عن نجاح خطط وزارات البترول والتجارة والصناعة والتموين فى تحويل الذهب إلى مورد رئيسي، قد يوازى فى تأثيره البترول ذاته، أو ما يُطلق عليه البعض « البترول الجديد».

ولعل ما يدعو إلى التأمل أن هذه الطفرة غير المسبوقة لم تأتِ نتيجة اكتشاف عشوائى أو حظ جغرافى، إنما كانت نتيجة مباشرة لاستراتيجية متكاملة بدأتها الدولة منذ أعوام، قادتها وزارة البترول والثروة المعدنية، والتى أعادت رسم خريطة التعدين فى مصر، ونجحت فى تقديم القطاع كمجال واعد للاستثمار طويل الأجل.

ففى بداية عام 2025، أطلقت الوزارة مزايدة عالمية جديدة للتنقيب عن الذهب والمعادن المصاحبة، فى خطوة فتحت المجال لشراكات جديدة بين الحكومة المصرية وشركات التنقيب العالمية، كما استضافت الوزارة منتدى التعدين المصرى فى يوليو من نفس العام، وهو محفل دولى يعكس الثقة التى أصبحت تتمتع بها مصر فى هذا القطاع، ويعزز من حضورها كمركز إقليمى لصناعة التعدين فى شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

ولم تقتصر جهود الوزارة على جذب الاستثمارات، بل امتدت إلى الجوانب التشريعية والتنظيمية، فقد تم مؤخرًا تمرير مشروع قانون يتيح للوزارة التعاقد مع الهيئة العامة للثروة المعدنية وشركة سنتامين المركزية للتعدين لاستغلال خام الذهب والمعادن المصاحبة له بمنطقة امتياز السكرى لمدة ثلاثين عامًا.

هذا التوجه نحو المشروعات المتكاملة يعكس رؤية أوسع لدى الدولة، لا تقتصر فقط على قطاع السكرى، إنما تمتد إلى مناطق واعدة أخرى مثل إيقات ووادى العلاقى، حيث أشارت المؤشرات الجيولوجية إلى وجود احتياطيات كبيرة من الذهب والمعادن الأخرى، وهو ما يعزز فرص تكرار تجربة السكرى فى مناطق متعددة، ويعزز من حجم الناتج القومى الصناعى المرتبط بالتعدين.

صدارة القطاعات التصديرية

فى السياق ذاته، لعبت وزارة التجارة والصناعة دورًا لا يقل أهمية فى دفع قطاع الذهب إلى صدارة القطاعات التصديرية، فبالتوازى مع نمو الإنتاج المحلي، تبنت الوزارة حزمة من السياسات والإجراءات التحفيزية لدعم المصنعين والمصدرين، كان من أبرزها تفعيل برامج دعم الصادرات، ورفع الميزانية المخصصة لها، ما مكن المئات من الشركات الصغيرة والمتوسطة من الدخول إلى الأسواق الخارجية، وساهم فى تنويع قاعدة المصدرين.

كما تم إقرار إعفاءات جمركية على مستلزمات إنتاج الذهب المستورد، وتقديم تسهيلات ضريبية للمصنعين، والتنسيق مع البنك المركزى لتوفير آليات تمويلية وتأمينية خاصة للمصدرين الجدد، بهدف توسيع قاعدة المصدرين وتعزيز قدراتهم التنافسية.

هذه السياسات الاقتصادية لم تكن فقط من أجل تشجيع التصدير فى حد ذاته، بل كانت جزءًا من رؤية أشمل تسعى إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمى لصناعة وتجارة الذهب، وهى رؤية بدأت تتجسد على أرض الواقع من خلال مشروعات كبرى مثل «مدينة الذهب» بالعاصمة الإدارية الجديدة، والتى تُعد أكبر مشروع صناعى وتجارى متخصص فى صناعة الذهب فى الشرق الأوسط، هذه المدينة ليست مجرد مجمع صناعى، بل منظومة متكاملة تشمل ورش تصنيع، مصانع كبيرة، مراكز تدريب فنى، معارض دولية، ومكاتب تصدير وخدمات لوجستية، ما يجعل منها منصة مثالية لجذب الاستثمارات الإقليمية والعالمية، وتصدير الذهب ومنتجاته بجودة عالمية.

جودة المنتج

من جهة أخرى، لم تغفل وزارة التموين دورها فى ضبط جودة المنتج المحلى وضمان شرعيته القانونية، حيث تعمل من خلال مصلحة الدمغة والموازين على فرض رقابة صارمة على جودة الذهب، وتطبيق معايير دقيقة فى الدمغ والتكويد، بما يضمن خروجه إلى الأسواق الخارجية بمواصفات تليق باسم مصر، كما تبذل الوزارة جهودًا حثيثة فى مكافحة تهريب الذهب، من خلال تطوير نظم تتبع السبائك، وتكثيف الرقابة على المنافذ الجمركية، وضبط الأسواق الداخلية، بما يحفظ حقوق الدولة والمستثمرين، ويمنع التلاعب أو تسريب الذهب خارج القنوات الرسمية.

ولا يمكن الحديث عن أهمية قطاع الذهب دون التطرق إلى الأبعاد الاقتصادية الأشمل، إذ أدإن تعظيم صادرات الذهب من شأنه أن يسهم بشكل مباشر فى زيادة احتياطى النقد الأجنبي، وتحسين ميزان المدفوعات، وتخفيف الضغط على العملة المحلية، خاصة فى ظل التحديات العالمية التى تواجه الأسواق الناشئة، كما يوفر القطاع فرصًا واسعة للتوظيف المباشر وغير المباشر، سواء فى مجالات الاستكشاف والتنقيب، أو التصنيع، أو التصدير.

الاستثمارات الأجنبية والمحلية فى صناعة الذهب تمثل كذلك بوابة لنقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة، إذ تفرض اتفاقيات التعدين الحديثة شروطًا تتعلق بنسب التشغيل المحلى، والتدريب، ونقل التكنولوجيا، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجابًا على البيئة التكنولوجية والصناعية فى مصر خلال السنوات المقبلة.

الثروات المعدنية

ومع هذا التوسع، يصبح من المتوقع أن تتجاوز مساهمة صناعة الذهب 1.5% من الناتج المحلى الإجمالى خلال السنوات الخمس القادمة، مقارنة بمستويات كانت لا تتجاوز 0.2% قبل عشر سنوات، وهى قفزة تعكس فاعلية السياسات التى تتبناها الدولة، والرؤية التى تتعامل مع الثروات المعدنية كعنصر أساسى فى بناء مستقبل اقتصادى مستدام، فالصناعات الاستخراجية، إذا ما أُديرت بكفاءة، يمكن أن تُحدث فارقًا نوعيًا فى النمو الاقتصادى، خاصة فى الدول ذات الموارد الجيولوجية الغنية مثل مصر.

ومع اقتراب اكتمال مشروعات كبرى مثل مدينة الذهب ومصفاة مرسى علم، ودخول مناطق جديدة إلى خريطة الإنتاج، تتبلور أمام مصر فرصة نادرة لتكون ضمن قائمة الدول العشر الأولى فى تصدير الذهب عالميًا، ليس فقط من حيث الكم، لكن من حيث جودة الصناعة وسلامة المنظومة القانونية والتنظيمية. وهذه المكانة لا يمكن أن تتحقق إلا باستمرار التنسيق بين الوزارات المعنية، والحفاظ على الشفافية فى التعامل مع الثروات الطبيعية، وضمان التوازن بين الحقوق الاقتصادية للمواطنين وبين جاذبية السوق للمستثمرين.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان