"عايشة".. البحث عن العدالة المفقودة

"عايشة".. البحث عن العدالة المفقودةمحمود عبد الشكور

الرأى24-8-2025 | 13:39

عُرض الفيلم التونسي عايشة ، وهو إنتاج مشترك مع فرنسا وإيطاليا والسعودية وقطر ، فى مهرجان فينيسيا ، وحقق أكثر من جائزة فى عدة مهرجانات، ربما لأن مؤلفه ومخرجه مهدي البرصاوي يعالج فيه أكثر من قضية مهمة، بالذات على مستوى غياب العدالة فى أكثر من اتجاه، استنادا إلى حادثة حقيقية تم الإنطلاق منها إلى تشريح المجتمع التونسي بعد الثورة، بالإضافة إلى وجود عناصر فنية مميزة فى الفيلم مثل أداء أبطاله وخصوصا الممثلة فاطمة صفر، التي لعبت ببراعة شخصية صعبة بهويتين وباسمين هما : آية وأميرة، وكذلك الممثل نضال السعداوي فى دور فارس ضابط الشرطة.

ورغم هذا الطموح الفني الكبير، وتلك الجرأة فى المعالجة على المستويين السياسي والاجتماعي، إلا أن الفيلم يعاني من التطويل فى مرحلة تحقيقات المأزق الذي تورطت فيه بطلتنا فى العاصمة تونس، كما أن تحوّل البطلة من الهروب إلى البقاء لم يتم دعمه والإقناع به بشكل كاف، بالإضافة إلى حل عقدة الفيلم بصورة سهلة وبسيطة وساذجة إلى حد ما، وقد أثر كل ذلك على الصورة النهائية للتجربة.

بطلة الحكاية من الجنوب التونسي الفقير، عاملة فى فندق تدعى آية، تعول الأم والأب الغارقين فى الديون، وتتعرض لضغوطهما للزواج من رجل عجوز لكي يسدد للأسرة ديونها، بينما تتورط آية فى علاقة جنسية مع رئيسها فى الفندق، وهو رجل متزوج يعدها بطلاق زوجته منذ أربع سنوات.

وسط أجواء الكساد وتسريح الموظفين بعد كورونا، يقع حادث لسيارة العاملين التي تحمل آية، فيموت الجميع، بينما تنجو هي، ودون تمهيد كاف، تخطر لها فكرة أن تتخلي عن هويتها، وتنتحل هوية جديدة باسم أميرة، لقد أصبحت ميتة رسميا، واسرتها ستحصل على تأمين كاف ومجز، فلا تتردد آية فى سرقة عشيقها، والسفر إلى تونس لتبدأ حياة جديدة.

تقيم فى العاصمة مع لبني التي تدرس للدكتوراة، ولكنها تعيش حياة حرة، وبدلا من أن تفكر آية فى البحث أولا عن عمل، نراها وهي تسهر فى النايت كلوب، وتشرب النبيذ، حتى تحدث مشاجرة بسببها: شاب أراد التعرف بهأ، يسحبه رجال الشرطة ويضربونه حتى الموت، وتصبح آية فى مواجهة دوامة.

ننتقل بذكاء من غياب العدالة فى حياة آية، إلى غياب العدالة فى تحقيقات الشرطة حول مقتل الشاب، ويتولى التحقيق الضابط فارس الذي فقد شقيقه قبل الثورة التونسية، وهرب الجاني من العقاب لأنه قريب من دوائر السلطة، ولكن فارس صار الآن جزءا من السلطة، ولذلك يرضخ لتوصية رئيسته التي تطلب التخلص من فيديوهات كاميرات النادي الليلي، والتي تظهر فيها جريمة قتل الشرطة للشاب.

أما آية فتضطر إلى العودة لاسمها الحقيقي، وتتعرض للإنتهاك الجنسي من زميلها فى أمسية الملهى الليلي، ولا تجد دعما إلا من سيدة عملت لديها فى المخبز الخاص بها، وفى حين يحاول فارس دفع آية للشهادة الصادقة بعيدا عن ادعائها بتحرش الشاب القتيل، تعاني هي من الصراع، حتى تحسمه لصالح الحقيقة، وعندما يظهر الأب والأم من جديد، ترفضهما آية بقسوة، بعد أن تحررت من علاقة أقرب إلى العبودية.

تفتح أزمة آية على أزمات أكثر، فلا شىء قد تغير من الجنوب التونسي البسيط إلى العاصمة الأكثر تعقيدا، وهوية آية كأنثى تجعلها أكثر تعرضا للاستغلال الجسدي فى كل مكان، والعدالة غائبة على مستوى الأسرة، وعلى مستوى علاقات العمل، وعلى المستوى السياسي أيضا، وإن كانت النهاية تعطي أملا فى القضاء، واستغلال فكرة التخلص من الهوية يعطى معنى خطيرا بعدم الانتماء، وعنوان الفيلم " عايشة " فيه معنى أن آية ما زالت على قيد الحياة، رغم ظروفها القاسية، وله معنى آخر، لأن آية قد تنتحل هوية جديدة مزيفة فى النهاية لفتاة مختفية اسمها عايشة .

هنا مجاز مؤلم للهروب لأن الأوضاع لا تطاق، ومع كل تنكر تظهر كارثة تجبر بطلتنا على الهروب والتنكر، لكن هذه الحالة الهروبية التنكرية البليغة التي كانت مصدر تفرد الفيلم ، سرعان ماستصبح ثغرته الواسعة، لأنك .

لا يمكن أن تصدق بقاء آية فى العاصمة بعد خروجها من قسم الشرطة، فالأغلب أن تهرب من جديد، وتبحث فى مكان آخر عن هوية مختلفة، ولكنها ستبقى وسط الضغوط والأخطار، حتى تكتشف متأخرا أنها امرأة ميتة رسميا اسمها آية، مما يحل المشكلة، ويزيد الأمر سذاجة اكتشاف فارس أن سجلات الشرطة لم تحدّث تلك البيانات، وبالتالي فهي ما زالت على قيد الحياة فى سجلات الكمبيوتر!

لم تنضبط الحبكة، ولا تفاصيل النهاية بشكل مقنع، ولكن هروب عايشة الأخير يفتح على حكاية جديدة، فلا المتاعب ستتوقف، ولا هروب آية وأخواتها سينتهي، والأفكار والسياسات التي حكمت عالم ما قبل الثورة ما زالت قائمة بعد الثورة.

يتضمن الفيلم إشارات كثيرة، سواء فى الجنوب أو فى العاصمة، عن التفاوت الطبقي، وعن الصراع من أجل لقمة العيش، وعن محاولة أهل الريف أن ينتزعوا فرصة للنجاة، آية مثلا التي تعيش بالكاد، تبتسم لرواد الفندق، وتتمنى لهم وجبة شهية، ثم تلقي بكميات من الجمبري والديوك فى القمامة، ولبنى رفيقه آية فى السكن قادمة من الريف والأقاليم، ولكنها تبدو أقرب إلى قوّادة منها إلى طالبة دكتوراة، وصاحبة المخبز تناضل لكسب عيشها فى ظل ظروف صعبة، وتتعرف عليها آية لأول مرة أثناء معركة شرسة للسيدة مع أحد الرجال.

"عايشة" بهذا المعنى، وبأداء فاطمة صفر الممتاز، وثيقة اتهام وانتقاد لظروف ما بعد الثورة ، وللعلاقات والسياسات القائمة، والتي تدفع الإنسان لتغيير هويته، والبحث عن مكان آخر، وعندما يجد هذا المكان، يعاني من نفس الظروف.

هذه الحياة الشاقة تهدد الهوية والانتماء، وتقتل الحرية الفردية والعدالة أيضا، وكأن الحياة اختصرت فى فكرة "العيش والسلام"، وليس فى معنى الحياة بكرامة وحرية فى ظل العدالة الاجتماعية، وفقا لشعارات الثورة التونسية الشهيرة.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان