بعد الحظر الجزئي لإمداد تل أبيب بالسلاح .. ألمانيا و إسرائيل .. هل انتهى «شهر العسل» ؟!

بعد الحظر الجزئي لإمداد تل أبيب بالسلاح .. ألمانيا و إسرائيل .. هل انتهى «شهر العسل» ؟! ألمانيا و إسرائيل

على مدار السنوات، كانت العلاقات بين ألمانيا و إسرائيل تُوصف بـ «الخاصة»، وبسبب المسئولية التاريخية عما يسمى بـ «الهولوكوست»، فإن السياسة الألمانية تجاه إسرائيل لها طابع خاص، حيث تشعر ألمانيا بالمسئولية المستمرة تجاه إسرائيل.

ومع تولى المستشار الألمانى «فريدريش ميرتس» منصبه فى أوائل شهر مايو الماضى، شدد على أن وجود دولة إسرائيل وأمنها ستظلان مصلحة عليا ل ألمانيا ، وفى أول بيان حكومى له قال «أود أن أقول لأصدقائنا الإسرائيليين من هذا المكان: نحن نقف بقوة إلى جانب إسرائيل».

هذا هو الموقف الرسمى الألمانى الذى أعلن عنه ميرتس بوضوح، ومن قبله المستشار الألمانى السابق «شولتس» الذى أكد فى القدس عام 2022 أن كل حكومة ألمانية تتحمل المسئولية الدائمة عن أمن دولة إسرائيل وحماية الحياة اليهودية.

ومع اندلاع حرب غزة فى السابع من أكتوبر 2023، التزمت ألمانيا بموقف داعم ل إسرائيل سياسيًا وعسكريًا، ولكن مع استمرار العدوان، وتصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية بشكل غير مسبوق فى القطاع، وتزايد الانتقادات الداخلية والخارجية، أعلن المستشار الألمانى– بشكل مفاجئ- عن فرض حظر جزئى فورى -حتى إشعار آخر- على صادرات الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل، والتى قد تُستخدم فى حرب غزة .

عقب إعلان ميرتس قراره، اندلعت حالة من الجدل، حيث لا يمكن اعتباره قرارا عاديًا، ف ألمانيا هى ثانى مُصدر للأسلحة إلى إسرائيل بعد الولايات المتحدة. وعلى مدار أكثر من 22 شهرًا، وقفت إلى جانب الحكومة الإسرائيلية، ودعمتها بالسلاح والدبلوماسية، حتى إن الخطوة التى اتخذتها بريطانيا وفرنسا، وغيرهما من الدول الأوروبية، بشأن نية الاعتراف بالدولة الفلسطينية، رأت فيها المانيا «خطوةً أحادية الجانب».

قرار المستشار الألمانى، أثار ردود أفعال فى الداخل والخارج، ففى الداخل الألمانى، قوبل القرار بموجة اعتراضات عارمة من سياسيين ينتمون إلى الائتلاف الحاكم، وصلت بالبعض إلى اعتبار خطوة ميرتس خروجًا عن السياسة الخارجية الألمانية تجاه إسرائيل، فقد أعلن الحزب الاجتماعى المسيحى – الشريك الأصغر فى الائتلاف الحاكم- أنه فوجئ بالأمر، ولم يكن متورطًا فى هذا القرار.

وقال «شتيفان ماير» خبير السياسة الخارجية فى الحزب ، إنه على ألمانيا مراعاة الاعتبارات الموضوعية، خاصة عند الانخراط فى السياسة الرمزية، مُشددًا على أنه لا تزال هناك أسباب وجيهة جدًا تفرض عدم تقييد تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.

كما وجه سياسيون من حزب ميرتس انتقادات لاذعة لقرار الحظر الجزئى على صادرات الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل، إذ أدان السياسى «كارتن مولر» القرار ووصفه بأنه «سوء تقدير ملحوظ»، أما السياسى «رودريش كيزهفتر» فوصف القرار فى تغريدة على منصة «إكس» بأنه خطأ سياسى واستراتيجى فادح، معتبراً أن ألمانيا رضخت أمام حشد معادٍ للسامية فى الشوارع يهدد حياة اليهود فى ألمانيا، فيما استغل حزب البديل اليمينى الشعبوى الأمر، إذ اعتبر الرئيس المشارك «تينو شروبالا» أنه فى ضوء الاستياء بين شريكى الاتحاد المسيحى، فإن موقف ميرتس أصبح ضعيفًا، ولا يستطيع توحيد حكومته خلفه ولا خلف كتلة الاتحاد المنقسمة حاليًا حول العديد من القضايا.

فى الإطار ذاته، هاجمت صحيفة «بيلد» الشعبية الأوسع انتشارًا فى ألمانيا ميرتس ، واصفة قراره بأنه «خطأه الأكبر»، وأنه اتخذ هذا القرار بمفرده تقريبًا، ولم يُبلغ به حتى الحزب البافارى الشقيق، حزب الاتحاد المسيحى الاجتماعى. وأن جميع أوساط حزبه المحافظ قد عبّرت عن عدم تفهمها لهذا القرار.

ومع تزايد الانتقادات، دافع المستشار الألمانى عن وقف تسليم إسرائيل شحنات أسلحة، وقال ميرتس، فى تصريـــــح لقنـــــــاة تليفزيونية ألمانية رسميــــــة، «تقف جمهوريــة ألمانيا الاتحادية إلى جانب إسرائيل منذ 80 عامًا، ولن يتغير شىء من ذلك وسنواصل مساعدتها فى الدفاع عن نفسها»، وشدد على أن تضامن ألمانيا مع إسرائيل لا يعنى «أنه يتعين علينا اعتبار أن كل قرار تتوصّل إليه الحكومة هو قرار جيد وندعمه إلى حد تقديم المساعدة العسكرية بما فى ذلك الأسلحة».

على الجانب الآخر، أثار قرار الرئيس الألمانى موجة انتقادات حادة فى الأوساط السياسية والإعلامية داخل إسرائيل، ووصفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الخطوة بأنها «طعنة فى الظهر» من شريك استراتيجى طالما وقف إلى جانب إسرائيل سياسيًا وعسكريًا، وعلى الصعيد الرسمى، عبر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلى بنيامين نتنياهو عن «خيبة أمله» من الموقف الألمانى، وذلك خلال مكالمة هاتفية مع المستشار فريدريش ميرتس.

وبعيدًا عن التصريحات الرسمية، يبقى التساؤل حول ما إذا كان قرار المستشار الألمانى يعكس تحولًا حقيقيًا فى العلاقات مع إسرائيل، فى هذا الإطار، ذكر تقرير أصدره المركز الأوروبى لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات – وهو مركز بحثى مقره فى ألمانيا- أن قرار ألمانيا بتعليق صادرات الأسلحة إلى إسرائيل يمكن وصفه بأنه قرار تكتيكى فى المقام الأول، يعكس رد فعل مباشر على تصعيد العمليات العسكرية الإسرائيلية فى قطاع غزة، خاصة بعد إعلان الحكومة الإسرائيلية عن خطة لتشديد سيطرتها على القطاع. هذا التعليق جاء مشروطًا ومؤقتًا، حيث أكدت الحكومة الألمانية أنها لن تسمح حتى إشعار آخر بتصدير الأسلحة التى قد تُستخدم فى غزة، ما يشير إلى ارتباط القرار بتطورات الأوضاع على الأرض والسياسة الإسرائيلية.

وأضاف التقرير، أن هذا القرار يعكس أيضًا الضغوط الداخلية المتزايدة فى ألمانيا، سواء من قبل المعارضة السياسية، أو منظمات حقوق الإنسان، أو الرأى العام الذى عبر عن مخاوفه من استمرار الدعم العسكرى الذى يسبب معاناة للمدنيين فى غزة.

مع ذلك، لا تظهر مؤشرات واضحة حتى الآن على أن هذا التعليق سيشكل تحولًا استراتيجيًا شاملاً فى سياسة ألمانيا تجاه إسرائيل. فقد أكدت برلين على حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها، ولا تزال تحافظ على تعاون أمنى وتقنى مع تل أبيب فى مجالات عديدة، ما يدل على استمرار العلاقات الوثيقة بين البلدين. لكن فى حال استمرار التصعيد العسكرى وتصاعد الأزمة الإنسانية، قد يتحول هذا القرار التكتيكى إلى سياسة أكثر صرامة تُعيد برلين من خلالها النظر فى دورها كمصدر للأسلحة.

وإجمالًا، يبقى مستقبل هذا القرار مرهونًا بتطورات الأحداث على الأرض فى غزة، والتغيرات السياسية والإقليمية والدولية المحيطة.

أضف تعليق