ليست لدي مشكلة فى أن تكتب الفيلم ورشة من الكتّاب، تحت إشراف كاتب واحد، أو أن يكتبه مؤلف واحد فقط، المهم أن يكون العمل متماسكا، وأن توظف المشاهد فى إطار فكرة أو تيمة واحدة، ولا نتوقع فى كل الأحوال أن يكون الفيلم من الروائع أو الكلاسيكيات، يكفي فقط توافر الحد الأدني من الإتقان، الذي يجعل الفيلم جيدا أو مستحقا للمشاهدة.
فى تجارب كتابة الورشة، التي تنتشر أكثر فى الدراما التليفزيونية، لكثرة عدد الحلقات، والرغبة فى الإنجاز تحت سيف الوقت، يحتاج الأمر أكثر الى أن يكون العمل متجانسا بشكل أوضح، مما يتطلب إشرافا ومراجعا أدق، والحقيقة أن تجارب ورشة مريم نعوم، وإشراف تامر محسن على سيناريوهات أعماله، من التجارب التي تؤكد أن هذه المعادلة ليست مستحيلة.
وهذا فيلم سينمائي كوميدي بعنوان "ماما وبابا"، من كتابة ورشة اسمها "براح" ، وبإشراف محمد صادق، وبطولة محمد عبد الرحمن وياسمين رئيس، وإخراج أحمد القيعي، يصدمنا بمستواه، ليس لأن الفيلم يفتقر الى الفكرة الجيدة، لأنه قائم على فكرة حافلة بالمفارقة، ويمكنها أن تصنع عملا مختلفا، وليس لأن الفيلم يخلو من مواقف مرحة ومضحكة، إذ أن فيه بعض تلك المواقف، ولكن المشكلة أن كل ذلك لم يصنع من العمل فيلما كوميديا جيدا، بل إن هذه الكتابة واضحة المشاكل حتى قبل تصويرها، ومن هنا فإن كل هذا الجهد قد ضاع مع شديد الأسف.
أبرز مشاكل التجربة الاستغراق فى المفارقة المحورية، بأن تتبادل الأم جسدها مع الأب، واستهلاك كل المواقف المحتملة لتلك المفارقة، ودون أي معنى سوى ما نفهمه بالكاد فى النهاية، بأن يضع كل طرف نفسه فى مكان الطرف الآخر، ويعرف ظروفه، بينما أدى هذا الحل المتبادل الى فوضى كاملة، وليس الى معرفة من أي نوع، وكاد أن يؤدي الى الطلاق أيضا، أي أن ما تريده الدراما، هذا إذا كانت حقا تريد أن تقول شيئا، تؤدي فكرة التبادل والحلول عكسه تماما !!
المشكلة الثانية الواضحة أن عملية تبادل الأجساد تتم بطريقة ساذجة، ودون بذل أي جهد فى بناء هذه الحبكة الفانتازية، التي ستخرج من قبل الواقع العادي، والأعجب أن هذا التبادل يبطل مفعوله بنفس الطريقة الساذجة، وعلى طريقة "أهو ده اللي صار"، ولا شك أن ذلك يمثل فقرا فى الخيال فى فيلم قائم على الخيال، ومحاولة الخروج على الأفكار العادية، ولكن محصلة ما شاهدناه لا تزيد عن ألعاب مجانية فى تمثلية سهرة، دون تطوير للفكرة، للخروج بها من دائرة المواقف التي تلعب على حلول الرجل فى جسد امرأة، وحلول المرأة فى جسد رجل، الى معنى ودلالة ترتبط بحياة اثنين من المتزوجين.
أسامة (محمد عبد الرحمن) هو الزوج المهندس، الذي زهق من زوجته دينا (ياسمين رئيس)، رغم أنهما أنجبا ابنة وابن، وفي مشاهد أولى قليلة، نسمع عن طريق الحوارفقط ، عيوب كل طرف، ونفهم أثناء زيارة العائلة كلها للملاهي أن أسامة ودينا قد اتفقا على الطلاق، ويريدان أن يجدا الوقت المناسب لإعلان الخبر للابن والابنة، بينما يعرف الطفلان ذلك، وتتمنى الطفلة ألا يتحقق الطلاق، وعندما يدخل الجميع الى بيت المرايا فى مدينة الملاهي، تحدث حكاية تبادل الأجساد، وفي اليوم التالي، يستيقظ أسامة ليجد نفسه فى جسد دينا، وتستيقظ دينا لتجد نفسها فى جسد أسامة.
يفترض أن يكون الشغل الشاغل لأى أحد حدثت له هذه الكارثة أن يبحث عن حل للخروج منها، وبالفعل يذهب الاثنان الى بيت المرايا ليجدا أن البيت ومدينة الملاهي أغلقا نشاطها ! وستكون تلك هي المحاولة الوحيدة لكي يسترد كل طرف جسده، إذ سينهمك الفيلم فى مفارقات بعضها ظريف، والبعض ليس كذلك، بل وستذهب دينا فى جسد أسامة الى عمله كمهندس عُرفت عنه الشراسة والقسوة، وسيحاول أسامة فى جسد دينا أن يقوم بمهام المنزل، ولكنه سيفشل بالطبع.
يستمر ذلك طوال الوقت، وبكل التنويعات الممكنة، مع التركيز على الفوارق البيولوجية أحيانا، وندور فى علاقة من أربع شخصيات بانضمام يحيى، صديق أسامة، الذي يلعب دوره محمد المحمدي، ومنى زوجته، وصديقة دينا، التي تلعب دورها ؤئام مجدي، ولا جديد، ولا تطوير للفكرة، ولا حتى فى الأماكن المحدودة، ولا توجد نية للبحث عن وسيلة أخرى لفك السحر، أو حتى تنفيذ الطلاق، بدلا من الذهاب الى العمل.
وحتى بعد الاستراحة فى منتصف الفيلم تقريبا، تتواصل نتائج هذا التبادل، حتى نخرج الى رحلة الى العين السخنة، لأن هناك بيتا للمرايا فى مدينة للملاهي ! ثم يعرف يحيى وزوجته منى بسرّ أسامة ومنى، وبدلا من مساعدتهما فى الخروج من هذه المشكلة، نعود من جديد الى مشاهد إضافية للمفارقات، بمشاركة الأصدقاء هذه المرة !
ولأن لكل حكاية نهاية، يتذكّر كتّاب الفيلم أنهم نسوا أن يجدوا معنى لتلك الألعاب، و يتذكرون أخيرا مسألة إتمام الطلاق بين أسامة ومنى، حتى ينتهي هذا الكابوس، ومثلما حدث تبادل الأجساد فجأة فى بيت المرايا بالملاهي، تعود كل "جتّة" إلى صاحبها بسهولة، ولكن هذه المرة فى حفل فى مدرسة ابنة أسامة ودينا ! هكذا بكل بساطة، وكأن كل شيء يحدث بالريموت كونترول، وكأننا أمام تدريب على اختراع مواقف من مفارقة، وليس عمل فيلم له معنى يقوم على المفارقة، والمسافة كبيرة وهائلة بين الأمرين.
ليست الكوميديا مجرد استهلاك لمفارقة، أو مجرد لعبة والسلام، ثم زاد الأمر اضطرابا أن المواقف التي قدمها محمد عبد الرحمن، والمواقف التي قدمتها ياسمين رئيس، لم تكن على نفس المستوى، رغم كثير من الاجتهاد، وحدث تشوش حقيقي خاصة مع استمرار هذا التبادل طوال الوقت، بينما لم يكن الثنائي الآخر محمد المحمدي ووئام مجدي أفضل حالا، أو أكثر حضورا.
هذه تجربة أولى لمخرج جديد هو أحمد القيعي، حاول أن يصنع شيئا مع المونتير معتز الكاتب فى هذه الحوارية والثرثرة التي لم تتوقف، ولكن الفيلم خرج تماما عن السيطرة، وأخشى أنه قدم أيضا نموذجا سلبيا، ويحتاج الى المراجعة، فى تجارب كتابة الورش للأفلام السينمائية.