صلاحيات أكبر ومعارضة أقل .. سر «قوة ترامب» في ولايته الثانية !

صلاحيات أكبر ومعارضة أقل .. سر «قوة ترامب» في ولايته الثانية !ترامب

خلال ولايته الأولى التى بدأها عام 2017، واجه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب معاناة فى تنفيذ كثير من وعوده الانتخابية، وكثيرًا ما قيد المسئولون الحكوميون رغباته المتعلقة بالعديد من الملفات، مثل التعريفات الجمركية ، والهجرة، وغيرها من المعارك مع كافة ألوان الطيف السياسى الأمريكى ، ومع الحلفاء الخارجيين، والأعداء التقليديين، ما أدى ذلك لتعرضه لاتهامات وإدانات فى عشرات القضايا أثناء وجوده فى البيت الأبيض وحتى بعد خروجه منه .

عاد ترامب مجددا إلى البيت الأبيض فى 2025 ليُنصب رئيسًا للمرة الثانية، ولكنه هذه المرة عاد أقوى، وواجه مقاومة أقل من خصومه ومعارضيه، حتى أنه بعد أشهر قليلة من عودته للبيت الأبيض بدأ حلفاؤه يلمحون إلى احتمال ترشحه لولاية ثالثة، وصرح لشبكة «إن بى سى نيوز» بأنه لا يمزح بشأن هذا الاحتمال، رغم أنه يتعارض مع الدستور.

هذه القوة المطلقة التى يشعر بها ترامب، تعود جزئيًا إلى شعوره بقدر أكبر من الشرعية مقارنة بعام 2017، وفى تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية، ذكرت أنه خلافًا للولاية الأولى، فاز ترامب فى انتخابات 2024 بالتصويت الشعبى إلى جانب سبع ولايات رئيسية ضمنت له الانتصار فى المجمع الانتخابى.

إضافة إلى ذلك، يملك ترامب الأغلبية فى مجلس الشيوخ ومجلس النواب، مثلما هو الحال فى ولايته الأولى، ولكنه فى عام 2017، كان يعانى نوعًا من عدم الأمان، ولذلك أحاط نفسه بشخصيات تُعد معتدلة إلى حد ما، بينهم عسكريون، ومصرفيون، فكان فى إدارته حينها من يمكنهم كبح اندفاعه، أما اليوم، فلم يعد ذلك موجودًا، مع بعض الاستثناءات النادرة .

وأشار التقرير، إلى التغير الكبير الذى شهده الحزب الجمهورى تحت تأثير ترامب، فقد شهد الحزب عملية تطهير طوعية، فكل من لم يكن على خطى ترامب إما استقال أو غادر. وكان هناك خوف حقيقى من إثارة غضب ترامب ومعسكره من المؤيدين. لا أحد يجرؤ على وضع حد للفوضى، فهم يخشون التهميش أو الاستبدال.

فى السياق ذاته، أشار مقال رأى للكاتب «جيسون ويليك» بصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، إلى أن ترامب يمارس سلطة أكبر بكثير من تلك التى مارسها خلال ولايته الأولى، مشيرا إلى وجود مقياسين لسلطة الرئيس، أولهما مقدار الصلاحيات التى يدعيها، والثانى حجم المقاومة التى يواجهها.

وذكر الكاتب، أن ترامب فى ولايته الأولى كان رئيسًا ضعيفًا، يواجه ردود فعل شديدة من المؤسسات الأخرى عندما يصرح ولو بتصريحات متواضعة عن سلطته، وبالفعل تعرض للتحقيق بسبب إقالة جيمس كومى مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى (إف بى آى) عام 2017، واستمر هذا التحقيق قرابة العامين، ولم يستطع إقالة المحقق وقتها لأن رد الفعل كان سيكون أشد.

وفى بداية ولايته الثانية، أصبح ترامب رئيسًا قويًا على نحو تاريخى، بل يمكن القول، إنه جمع بين يديه «سلطة أكبر من أى من أسلافه فى زمن السلم».

وضرب الكاتب مثالُا على قوة ترامب فى فترة رئاسته الثانية مقارنة بالأولى، والتى تتعلق باستخدام الجيش فى الولايات المتحدة، ففى صيف عام 2020، أراد تجاوز حكام الولايات وإرسال قوات إلى المدن الأمريكية فى خضمّ واحدة من أكثر موجات الشغب تدميرًا فى تاريخ البلاد، وكانت لديه حجة معقولة حينها بأن السلطات المحلية لم تسيطر بشكل كاف على العنف والتخريب، ولكن مرؤوسيه منعوه، وحين كتب أحد أعضاء مجلس الشيوخ مؤيدًا الفكرة فى صحيفة «نيويورك تايمز»، ردّت الصحيفة بإطاحة قيادتها التحريرية- وهو ما يعكس طبيعة المناخ السياسى آنذاك.

بينما نشر ترامب فى عام 2025، قوات الحرس الوطنى فى لوس أنجلوس وسط اضطرابات مدنية أقل حدة من تلك التى شهدتها عام 2020، وأرسل الحرس إلى العاصمة واشنطن بسبب القلق العام من الجريمة، كما طرح فكرة إرسال قوات إلى شيكاغو وسان فرانسيسكو من دون أن يثير ذلك اهتمامًا كبيرًا، وكل هذا يحدث فى زمن يُعد نسبيًا زمن سلام مدنى.

ورأى الكاتب، أنه على مستوى مدى الصلاحيات المعلنة وقوة المعارضة لها، تكاد رئاستا ترامب الأولى والثانية تكونا على طرفى نقيض. وهذا يثير سؤالًا: لماذا؟ خاصة أنه عادة ما يكون الرؤساء أضعف فى ولايتهم الثانية لا أقوى. لكن ترامب ليس شخصية سياسية عادية، وقدم «ويليك» تفسيرات متعددة للقوة التى يحكم بها ترامب فى ولايته الثانية، أولًا: الديمقراطيون. رغم أن الحزب الديمقراطى يتمتع بتمثيل سياسى واسع- أقلية كبيرة فى مجلس النواب، وحكام ولايات كبرى- فإنه لا يزال يسعى جاهدًا لإيجاد قضية تمكنه من الحشد الشعبى. فى ولايته الأولى، ركّز الحزب على نزع الشرعية عن انتخاب ترامب بالإشارة إلى التدخل الروسى وتفوق هيلارى كلينتون فى التصويت الشعبى، لكن هذه المبررات لم تعد متاحة، مما يجعل من الأصعب الطعن فى ادعاء ترامب بأنه ممثل الشعب. وقد أمضى الديمقراطيون سنوات يقولون إن «الديمقراطية» هى القيمة العليا، فما الذى يمكن أن يكون أكثر ديمقراطية من الإرادة الصافية لرئيس انتُخب شعبيًا؟.

ثانيًا: الجمهوريون. أحدث ترامب ثورة حقيقية داخل حزبه. وربما كانت سنواته الأربع خارج السلطة ميزة فى هذا الجانب. فحوالى ثلثى الأعضاء الجمهوريين الحاليين فى مجلس النواب انتُخبوا عام 2016 أو بعده. أما أعضاء مجلس الشيوخ الأكثر ميلًا إلى إبداء أحكام مستقلة فقد تقاعدوا. وقد نجح ترامب وحركته إلى حد بعيد فى إيجاد شخصيات مخلصة وصلبة لملء مناصب السلطة التنفيذية على جميع المستويات. ومن ثم فإن الحزب الجمهورى المتحوّل هذا يمنح ترامب قوة أكبر بكثير مما كان لديه عام 2017.

ثالثا: فترة غياب ترامب عن الحكم، إذ جعلت سلسلة الملاحقات القضائية التى واجهها أثناء غيابه عن السلطة رئاسته الثانية أكثر قسوة وانتقامًا، ولعل فشل تلك الملاحقات القضائية أسهم فى إضعاف الروح المعنوية السياسية للديمقراطيين الذين استخدموا أقوى الأدوات الممكنة ضد ترامب ولم يفلحوا.

واختتم الكاتب مقاله، بالقول إن كثيرا من الأمريكيين صوتوا لصالح عودة ترامب على أمل استعادة نجاحات سياساته السابقة. وبعد سبعة أشهر من ولايته الجديدة، بدأوا يحصلون على بعض تلك السياسات، لكنهم يحصلون أيضًا على رئاسة تتسع سلطاتها ونفوذها بشكل غير مسبوق، مضيفًا أن السلطة التنفيذية كانت تتمدد على حساب الكونجرس قبل ترامب، إلا أن الرئاسة السابعة والأربعين باتت تطلق العنان لكل ما يتيحه المنصب من صلاحيات وأكثر. ولن توقف التحذيرات من «نهاية الديمقراطية» هذا التمدد، إذ بالنسبة للحزب الذى صوّت الشعب لصالحه، لا يبدو هناك ما هو أكثر ديمقراطية من ممارسة إرادته.

أضف تعليق