"الأفيش السينمائي" ليس مجرد صورة إعلانية تلصق على جدران دور العرض أو تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي ، بل هو جزء أساسي من صناعة الفيلم، فهو بمثابة بوابة الدخول التي تحمل ملامح الفيلم ورؤيته الفنية والهدف منه جذب الجمهور للدخول إلى قاعة السينما.
وفي السنوات الأخيرة، فقد الأفيش السينمائي بريقه، بعدما تحولت كثير من الأفيشات إلى نسخ مكررة ليس بها أي ابتكار أو مقتبس من أفيشات أفلام أجنبية شهيرة.
وعلى سبيل المثال ليس الحصر، فيلم بوبوس للنجمين عادل إمام ويسرا، قيل إن أفيشه مستوحى بشكل واضح من ملصق الفيلم الأمريكى Mr. & Mrs. Smith، الأمر نفسه تكرر مع فيلم جوبا، الذى بدا أفيشه نسخة من فيلم Sin City الشهير بطابعه الكوميكس الأسود.
أما فيلم الجزيرة فقد اتُّهم أفيشه بمحاكاة أفيش Resident Evil: Extinction، بينما كان أفيش فيلم أنا لحبيبى شبيهًا إلى حد كبير بملصق الفيلم الرومانسى الأمريكى The Notebook.
ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، فقد أثار أفيش فيلم أمير الظلام للفنان عادل إمام الجدل بسبب تشابهه الكبير مع ملصق الفيلم الأمريكى الشهير The Godfather، وتكرر مع أفيش فيلم عيال حبيبة لحمادة هلال، الذى بدا وكأنه إعادة إنتاج لملصق The Mask of Zorro.
كما جاء أفيش فيلم أحمد السقا حرب أطاليا قريبًا جدًا فى فكرته وتكوينه من أفيش فيلم Ocean's Twelve، خاصة مع حضور روح العصابة واللقطات الجماعية المماثلة، رغم اختلاف الاحداث.
نسخ جاهزة
وقد أصبح كثير من المصممين يلجأون إلى نسخ جاهزة من ملصقات عالمية بدلًا من ابتكار تصورات جديدة"، كما يرى الناقد الفنى محمود قاسم ، مؤكدا أن هذه الظاهرة لا تعبر فقط عن "استسهال" بل تكشف أيضا عن أزمة أعمق فى غياب الهوية البصرية للسينما المصرية.
وقال "قاسم" إن الملصق قديماً كان مرآة الفيلم، بينما اليوم هو مجرد صورة فوتوغرافية معدلة بالفوتوشوب، ولم يعد يعكس هوية العمل أو رؤية المخرج كالمعتاد.
هوية مفقودة
وعندما ننظر إلى أفيشات أفلام مثل "دعاء الكروان" أو "الزوجة الثانية" نجدها لوحات فنية مكتملة، لم يقتصر دورها على الإعلان، بل كانت تُمثل جزءًا من الهوية الثقافية والفنية لتلك الفترة، هكذا قال الناقد الفنى أحمد سعد الدين، لافتا أن ملصقات الأفلام حاليا لا تعيش أكثر من موسم عرضها.
وأوضح أن الأفيشات فى الماضى كانت تُرسم يدويًا بألوان مبهرة، وتُبرز النجوم فى أوضاع تعكس طبيعة أدوارهم، مع تفاصيل بصرية تُثير الفضول حول الأحداث، لذلك ظلت أفيشات مثل "شفيقة ومتولي"، و"إمبراطورية ميم"، و"البداية" وغيرها، راسخة فى الذاكرة حتى اليوم، لافتا أن استنساخ الأفيشات هو نتيجة طبيعية لاستنساخ قصص أفلام أجنبية.
رحلة الأفيش السينمائى
وأشار "سعد الدين"، إلى أنه مع دخول السينما إلى مصر فى عشرينيات ، ظهر الأفيش فى شكل بدائي، يعتمد غالبًا على الطباعة بالأبيض والأسود، ومع نهاية الثلاثينيات وبداية الأربعينيات، لمع اسم رسامين موهوبين مثل جمال قطب وحسن عامر وعبد العزيز، الذين ارتقوا بالأفيش من مجرد إعلان إلى لوحة تشكيلية تحمل أبعاد فنية.
وأضاف: كانت الفرشاة هى الأداة الأساسية، ويعيد من خلالها الفنان رسم وجوه النجوم ويبرز ملامحهم، فمثلا أفيشات أفلام مثل الزوجة الثانية، ودعاء الكروان، لم تكن مجرد إعلان، بل أعمال فنية تزين بيوت ومحلات.
فى الخمسينيات والستينيات، بلغ الأفيش المصرى ازدهاره، إذ لم يكن أحد يتخيل فيلمًا مثل إمبراطورية ميم أو أبى فوق الشجرة من دون أفيش ملون يختزل قصة الفيلم بروح جاذبة، هذه الملصقات لم تكن مجرد دعاية، بل صارت جزءًا من ذاكرة الجمهور.
اختفاء الإبداع
ومنذ التسعينيات بدأ الاعتماد على الكمبيوتر وبرامج التصميم، وهو ما قلل من دور الرسامين، وتحولت الأفيشات تدريجيا إلى صور فوتوغرافية مركبة ففقدت الكثير من حيويتها، ومع الألفية الجديدة، تفاقمت الظاهرة مع انتشار "الاستسهال"، حيث صار بعض المصممين يستعيرون أفكارًا كاملة من أفيشات هوليود.