في صباح 14 سبتمبر 2024، أطفأت القاهرة شمعة جديدة من ذاكرة الفن المصري، برحيل الفنانة ناهد رشدي عن عمر 68 عامًا، بعد صراع طويل مع مرض السرطان استمر عشر سنوات.
المفارقة أن رحيلها جاء في اليوم نفسه الذي ولدت فيه عام 1956، لتغلق حياتها دائرة كاملة بدأت وانتهت في التاريخ ذاته.
البدايات
تخرّجت ناهد رشدي في قسم التمثيل بالمعهد العالي للفنون المسرحية عام 1982، ودخلت البيوت المصرية عبر الشاشة الصغيرة في فترة الثمانينيات، لتصبح من أبرز الوجوه الدرامية في التسعينيات. تنوعت أدوارها بين الفتاة الحالمة، والزوجة المضحية، والأم الحاضنة، حتى صارت علامة في الدراما المصرية.
"سنية" التي لا تُنسى
على الرغم من عشرات الأعمال، يبقى دورها في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" محطة فارقة في مسيرتها، حيث جسّدت شخصية "سنية"، ابنة عبد الغفور البرعي (نور الشريف) وفاطمة (عبلة كامل)، وقدمت شخصية البنت التي تحلم بحب بسيط صادق، قبل أن تصطدم بواقع صادم يقلب حياتها رأسًا على عقب.
وكشفت في لقاء سابق أن المخرج أحمد توفيق أراد مشهد الفرح طبيعيًا للغاية، فألغى الاستراحة، وطلب من الجميع تناول الطعام الموجود على "البوفيه" باعتباره الاستراحة والمشهد في آن واحد، ذلك المشهد العفوي صار أحد أكثر لحظات الدراما المصرية صدقًا.
زمالة عبلة كامل
كان الفارق بين ناهد رشدي وعبلة كامل عامًا واحدًا فقط، لكنها روت أن الأخيرة لعبت دور الأم داخل وخارج الكاميرا، فكانت تطبخ للفريق يوميًا، حتى مازحتها ناهد ذات يوم قائلة: "خلاص يا عبلة.. جوزي هيطلقني من كتر التوم اللي بتطبخيه!".
بين التراجع والعودة
في مطلع الألفية، ابتعدت ناهد رشدي عن الشاشة سبع سنوات متتالية، بسبب متاعب صحية ورغبتها في التفرغ لتربية أبنائها، لكنها لم تبتعد عن المسرح، فشاركت في عروض دينية ضمن مسرح الدولة برفقة الدكتور أحمد الكحلاوي، مؤكدة أن خشبة المسرح بالنسبة لها حياة لا يمكن التخلي عنها.
عادت إلى الدراما من جديد عبر مسلسل "بدون ذكر أسماء" عام 2013، لتجسد شخصية الأم التي ترمز إلى الأرض والوطن، وتوالت بعدها مشاركاتها في أعمال بارزة مثل "كفر دلهاب"، "واحة الغروب"، و"شديد الخطورة".
رصيد فني متنوع
امتدت مسيرتها بين التلفزيون والسينما والمسرح والإذاعة.
من أفلامها: "الطريق إلى إيلات"، "الحب فوق هضبة الهرم"، "أبناء وقتلة". وفي المسرح شاركت في "الزوبعة"، "الأستاذ"، و*"مع خالص تحياتي"*، كما ظهرت في فوازير "ألف ليلة وليلة" عام 1985.
الرحيل في صمت
رغم صراعها مع المرض لعقد كامل، لم تفقد ناهد رشدي ابتسامتها أو شغفها بالفن. لكنها اختارت أن تخوض المعركة بعيدًا عن الأضواء، حتى رحلت في صمت صباح السبت 14 سبتمبر 2024، تاركة خلفها مسيرة ثرية وذكرى محفورة في وجدان الجمهور.
لم تكن ناهد رشدي مجرد ممثلة، بل رمزًا لجيل آمن بالدراما كنافذة على حياة الناس، وقدّمت أعمالًا تجسّد البساطة والصدق، وهي عمة الفنانة داليا مصطفى، التي ورثت عنها حب الفن.
رحلت ناهد رشدي في يوم ميلادها، وكأن القدر كتب لها أن تغلق كتاب العمر في الصفحة نفسها التي بدأت منها. لكنها ستظل حاضرة في ذاكرة المشاهدين كلما عادت شاشة التلفزيون لتعرض "لن أعيش في جلباب أبي" أو "أرابيسك" أو "هوانم جاردن سيتي".