تبدو مشكلة الدراما الإجتماعية الكوميدية فى السينما مرتبطة الى حد كبير باحتكار التليفزيون لهذه النوعية ، وتقديمه تنويعات بلا نهاية لتيمات مختلفة منها، وفي مسلسلات طويلة ، وبالتالي فإن تقديم هذه الدراما فى فيلم سينمائي يحتاج الى جهد كبير، والى معالجات أكثر ابتكارا، والى تحليل أكبر للشخصيات والنماذج الإنسانية التي يتم تقديمها، والى حضور فائق للممثلين والممثلات.
الفيلم الأمريكي "الماديون" من كتابة وإخراج سيلين سونج يعمل على نفس التيمة التي قدمت من قبل، بالمقارنة بين المادة والحب، وينتصر بالتأكيد للحب كما نتوقع، وفيه أداء جيد من ممثليه، وربما يكون عنصر التميز الخاص به مناقشته للحياة المادية على الطريقة الأمريكية، والتي تعتمد على الحسابات، وتربط فكرة "الحلم الأمريكي" بالصعود المادي، أي أن فيلمنا أمريكي جدا، بقدر ما هو إنساني ورومانسي.
مع الأسف لم تنضبط خطوط الدراما بشكل جيد، وظلت محصورة فى علاقة ثلاثية داخل الجدران فى معظم الحالات، مع بعض التكرار والدوران مع حيرة بطلة الفيلم بين الحب والمادة، بالإضافة الى نهاية متوقعة ، ولكن فكرة المادة يتم تحليلها هنا وفقا لعلاقات عملية بشأن الزواج والاستقرار، ومن خلال وكالة تخصصت فى التوفيق بين طالبي الزواج وفق مواصفات معينة، وعبر معايير أقرب ما تكون الى الاختيارات الحسابية، والمعادلات الرياضية، التي يسخر منها الفيلم .
لوسي ( داكوتا جونسون فى دور مميز) تعمل فى هذه الوكالة المتخصصة فى التزويج، أي أنها خاطبة معاصرة، فشلت فى العمل كممثلة، وانفصلت عن حبيبها السابق الممثل جون (كريس إيفانز)، لأنه فقير، يسكن فى شقة صغيرة مع صديقين.
والآن تبدو ناجحة فى عملها، قامت بتزويج تسع حالات، ونراها وهي فى حفل زفاف واحدة من تلك الحالات، تعترف لها العروس أنها وافقت على الزواج من شاب غني لمجرد أن تغيظ شقيقتها، فتقنعها لوسي بالاستمرار فى الزواج، وفى حفل الزفاف تتعرف لوسي على شقيق العريس واسمه هنري (بيدرو باسكال)، الذي يبدو كامل الأوصاف، أو كما يسمونه فى وكالات الزواج " رجل الأحلام المستحيلة"، كما أنه ثري جدا، وهذا شرط لوسي للزواج.
يظهر جون فى حفل الزفاف كعامل فى شركة أغذية ومشروبات، يقوم بتقديم الطعام للمعازيم، وبينما تتطور علاقة لوسي مع هنري باتجاه لقاءات فى مطاعم فاخرة، ثم فى شقته، إلا أنها لا تستطيع أن تحبه، وتكون نقطة التحول فى حياة لوسي عندما تكتشف أن فتاة تدعى صوفى، رشحت لها لوسي عريسا، قد تعرضت للإعتداء من هذا العريس، هنا تراجع لوسي كل أفكارها عن تزويج الأشخاص عبر حسابات وعلاقات نظرية، فى الوقت الذي تكتشف فيه أن هنري قد أجرى عملية ليكون أكثر طولا، وأنه ليس كامل الأوصاف !
تستأنف لوسي علاقتها من جديد مع جون، الذي بدأ عملا مسرحيا جديدا، والذي ما زال يحبها، ولا يبقى سوى النهاية المتوقعة بزواج الخاطبة ممن أحبت، لا ممن يمتلك شقة ثمنها 12 مليون دولار.
هناك طرافة فى انتقاد وكالات الزواج، وفى رسم شخصية لوسي العملية، والتي يمكن اعتبارها ترجمة للبراجماتية وللحلم المادي الأمريكي، وهناك حالات كثيرة تقدمها المخرجة وكاتب السيناريو فى لقطات سريعة لمواصفات كل شخص فيمن يختاره للزواج، وكأن كل طرف يطلب وجبة تيك أواي، وليس شريكا للحياة، سيعيش معه طوال عمره، ومن اللمسات الذكية فى السيناريو أن شخصية هنري ليست سيئة، ولكنها غير قادرة على الحب، بينما تبدو علاقة لوسي مع جون تقليدية تماما ومعروفة المقدمات والنتائج.
على مستوى البناء والتفاصيل، كان من الأفضل كثيرا أن تسير علاقة لوسي مع هنري بالتوازي مع علاقة لوسي مع جون، بدلا من أن تنتهي علاقة فتبدأ الأخرى، مما جعلنا ننسى جون تقريبا، بل وأدى ذلك الى شطر الفيلم الى نصفين، كما أن حكاية لوسي مع عميلتها صوفى أخذت مساحة وتأثيرا مبالغا فيه، فهذه الشخصية العملية التي تمثلها لوسي لن تشعر بالذنب الى هذا الحد، وهي بالتأكيد ليست مسؤولة عن انحراف عريس أو سوء تصرفه، وهذا الأمر وارد تماما، كما تقول لها رئيستها فى العمل.
على مستوى الأفكار، فإن الفيلم ينحاز للحب، ويعتبره الشيء الوحيد الثابت، أو الأيدلوجية الوحيدة التي يمكن الدفاع عنها، وبالتالي ينتصر الفيلم للجانب المعنوي للزواج، وإن كان جون يقول إنه سيتغير أيضا، وسيتعب أكثر لتأمين حياة مستقرة من أجل لوسي، أي أن الحب يتطلب العمل والجهد.
ومن ناحية أخرى، فإن من يفضلون الجوانب المادية والحسابية، سيواصلون السعي من خلال وكالات الزواج، وإن كانت مغامرة ومجازفة الزواج عن طريق هذه الوكالات، قد تزيد على مغامرة الزواج عبر الحب والارتباط المباشر بجهد شخصي.
تتكرر أيضا فكرة "القيمة" على مستويات مختلفة، حيث تبحث المرأة عمن يشعرها بالقيمة، ولكن المفهوم نفسه مراوغ، لأن القيمة يمكن أن تكون مادية أو معنوية، وعلى كل امرأة أن تختار، وإذا اجتمعت القيمتان اكتملت الفائدة.
فى ظني أن سيلين سونج، التي تملك حسا كوميديا جيدا، والتي تحاول أن تقرأ علاقات الرجل والمرأة فى عالم معقد ومادي للغاية، لم تستطع أن تضبط معادلتها الواقعية، فقد بدأت بعالم مادي تماما، ثم انتهت الى عالم رومانسي كامل، بل وبدأت الفيلم وأنهته بمشهد ساذج عن إنسان الكهف الذي يقدم الزهور لحبيبته، وهو بالطبع خيال جدير بحكايات سندريلا، كما أن تحولات لوسي كانت من النقيض الى النقيض.
لا توجد مشكلة فى رأيي فى أن تتزوج لوسي عن حب، وأن تستمر فى عملها فى وكالة لتزويج الآخرين وفق مطالبهم، فقد تنجح زيجات من هذا النوع أيضا، ولكنها النظرة التبسيطية لموضوع معقد، يحتاج الى كثير من التفاصيل، التي ظهرت فى مشاهد كثيرة، ثم غابت تماما بعد ذلك، وعدنا الى الطريقة التبسيطية فى الجزء الأخير من الفيلم.
وكما هو الحال فى مثل هذه النوعية من الدراما، فإن الحجرات استأثرت بمعظم المشاهد، مع كسر هذه الدائرة فى مشاهد حفل الزفاف المفتوح الأخيرة، وإن تميز الفيلم عموما بأداء ممثليه الجيد، خصوصا داكوتا جونسون بحضورها الفائق، وقدرتها على تقديم وجهي لوسي العملي والرومانسي، ولفتت نظري أيضا الممثلة المميزة جدا زوي وينترز، التي لعبت ببراعة دور صوفى، سيئة الحظ، البحثة عن الحب والعريس، والمصدومة من الاعتداء عليها.
"الحب أسهل شيء" كما يقول الفيلم، ولكنه يحتاج لمن يدافع عنه، ويعمل من أجله، ويبحث عنه، وصدفة عودة جون، مثل صدفة ظهور هنري كامل المواصفات، ليست سوى اختبارات تتكرر دائما أمام الكثيرات، ولكن تظل العلاقة بين الرجل والمرأة دوما، خارج دائرة الحسابات والتوقعات.