على ماكينات الخياطة ، وبين أرفف محلات القطاع العام، وأسواق الأقاليم، وصولا للعلامات التجارية الحديثة، ظل الزي المدرسي شاهدًا على مسيرات أجيال..
قطعة قماش تحمل بين خيوطها رائحة الحلم، وبهجة أول يوم دراسي، وصوت الأمهات وهن يجهزن الصغار للخروج إلى عالم جديد، ونصائح الآباء وهم يرسمون مستقبل الأبناء.
الزي المدرسي ليس مجرد قطعة قماش ارتسمت على جسد من يرتديها، بل بطاقة عبور من عام إلى آخر على درجات المسئولية، وصفحات لا تُمحى من دفتر كل أسرة مصرية.
من الخياطة إلى «بيع المصنوعات» و«صيدناوي» و «باتا»
حكايات من ذاكرة الأسرة
أعاد مشهد الحفيدين «رامي» و»رنا» للحاجة «سلوى»، وهما يضحكان و يقلبان في زيهما المدرسي الجديد، ذكريات تجاوزت الـ30 عاما، عندما كانت تراقب سعادة ابنتيها، وإحداهن أم الحفيدين وهن يستعرضن الزي الجديد ومقاسه وتفصيلته قبل بدء العام الدراسي، حيث كانت تحرص قبله بعدة أسابيع على النزول للسوق واختيار القماش المناسب، والذهاب به لـ»الخياطة»، لاختيار «القصة» وحياكته.
ابتسمت الجدة وهي تستعيد تفاصيل ذكرياتها، قبل أن تفيق على صوت ابنتها سارة -أم الطفلين-، وهي تقول بصوت لا يخلو من غضب: «كلفتني تلك الملابس ما يقرب من 10 آلاف جنيه، ومازالا في السنوات الأولى من المرحلة الابتدائية»، وانخفض صوتها وكأنها تهمس وهي تتابع: «الله يعيننا».
ذكريات «الحاجة سلوى»، وغضب «سارة»، مشهد متكرر فى معظم البيوت المصرية خلال الفترة الحالية، التى تستعد فيها لعام دراسى جديد.
أول بدلة من صيدناوي
وتحكى الحاجة منى عبد السلام، التى تجاوزت الستين: « ما زلت أتذكر جيدًا يوم دخول أبنائى المدرسة لأول مرة فى أواخر سبعينيات القرن الماضي، كنا نذهب خصيصًا إلى محلات «صيدناوي» التى كانت منتشرة فى هذا الوقت، التى كانت آنذاك الأشهر فى بيع الزى المدرسي».
وأشارت إلى أن الزى الرسمى للأولاد عبارة عن بدلة باللون الكحلي، وقميص أبيض، لافتة إلى أن بنات المرحلة الابتدائية كن يرتدين فستانًا كحلى اللون مزودًا بحزام بسيط.
وواصلت الحاجة منى قائلة: «لم تكن الأسعار مرتفعة بمقاييس اليوم، كانت البدلة الكاملة لا تتجاوز ثلاث جنيهات، ومع ذلك كنا نشعر أنها مكلفة بعض الشيء، لأنها تشترى مرة واحدة فى العام، فى وقت لم يكن فيه الراتب الشهرى للأسرة يتجاوز عشرين جنيهًا.»
وتضيف: «لم أنس فرحة أولادى وهم يرتدون الزى لأول مرة، كان ابنى الأكبر يقف أمام المرآة محاولًا ربط الكرافت، بينما تجمع أفراد العائلة حوله يضحكون ويشجعونه، وفى تلك اللحظة أدركت أن الزى لم يكن مجرد ملابس مدرسية، بل كان إعلانًا رسميًا لبداية مرحلة جديدة فى حياة أبنائي، فقد كانت مشاعرى ممزوجة بالفرحة والمسئولية».
رائحة الجديد وبهجة اليوم الأول
«كنا نشترى الزى المدرسى أحيانا من شركة بيع المصنوعات ، وأحيانا من صيدناوي ، ولكن الأغلب كنا نشترى القماش ونذهب به للخياطة، ونضعه فى الدولاب، لكن الأطفال كانوا يصرون على تعليقه فى غرفة النوم، وكأنهم يريدون أن يناموا بجواره ليستيقظوا على رائحته المميزة»، هكذا استهلت نادية محمد، موظفة سابقة ذكرياتها عن الزى المدرسي ، قبل أن تتابع: « أذكر أن ابنتى الصغيرة حين جلبت لها فستان المدرسة الرمادي، كانت تستيقظ فى منتصف الليل لتتأمله بعينيها البريئتين، كما لو كان فستان عرس تنتظره بفارغ الصبر»..
وتضيف بابتسامة يغلبها الحنين: «أجمل ما فى الزى المدرسى أنه كان يذيب الفوارق بين الأطفال، الجميع يرتدى الشكل نفسه، فلا فرق بين غنى وفقير وحتى من لم يستطع شراء زى جديد، كان يكتفى بزى أخيه الأكبر، ومع ذلك لم يكن أحد يشعر بالاختلاف».
المدرسة تبيع الزى
أما مدحت فوزي، والد لثلاثة أبناء فقال: «درست فى مدرسة حكومية خلال ثمانينيات القرن الماضي، وكان هناك أمرا غريبا بعض الشيء، ف المدرسة نفسها كانت تبيع الزى المدرسي»، موضحا أنه كان هناك قاعة كبيرة داخل المدرسة، يقوم فيها العاملون بقياس مقاسات الطلاب وإعداد الفواتير الخاصة بهم.
واستطرد: «كانت الأسعار آنذاك أرخص من المحلات الخارجية، إذ كان البنطلون يُباع بجنيه ونصف، والقميص بجنيه واحد فقط، ورغم بساطة الأسعار، كانت الخامة خشنة بعض الشيء، إذ كان القماش قطنياً ثقيلاً يسبب بعض الانزعاج عند ارتدائه، لكنه كان يتميز بطابع خاص؛ حيث كنا نشعر أن المدرسة تمنحنا الزى بيدها وكأنها .تقول لنا: أصبحتم جزءًا مني»
خياطة البيت وفرحة الحارة
وتحكى أم دعاء بابتسامة: «لم تكن والدتى قادرة على شراء الزى المدرسى من المحلات الكبيرة، فكانت تخيطه بنفسها فى المنزل بماكينة الخياطة الخاصة بها.
كنا نجلس حولها وهى تمسك بالمقص، نصغى لصوتها المتواصل بين خياطة وقص، وفى بعض الأحيان يخرج البنطلون واسعًا أكثر من اللازم فنضطر إلى ربطه بحزام، وأحيانًا يكون ضيقًا فننتظر حتى تقوم بتعديله بطريقتها الخاصة..
وتتابع: «ورغم هذه الصعوبات، كانت الفرحة تعم كل أطفال الحارة، إذ لم يكن شكل الزى هو المهم بقدر شعورنا بأننا نستعد للذهاب إلى المدرسة ونحن متشابهون كأقراننا».
وتحدثت أم دعاء عن أنه كان دائمًا هناك تبادل بين الجيران، قائلة: «فإذا كان لدى بنطلون صغير لطفلي، كنا نعطيه لابن عمتى طالما بحالة جيدة، وهى تعود لتعطينا بلوزة لابنتي، كل شيء كان قائمًا على التكافل والمحبة، وكان هذا جزءًا من بهجة الزى المدرسى الذى لا تُنسى ذكرياته.»
من الجنيهات القليلة إلى البراندات
«تغيّر المشهد كثيرًا اليوم، كما أكدت ولاء حسن، الأم لطالبة فى المرحلة الإعدادية، وتحكى تجربتها مع شراء الزى المدرسى لأطفالها فى العصر الحالى قائلة:
«فى الوقت الحاضر، أصبحنا نشترى الزى المدرسى من محلات متخصصة أو من ماركات بعينها «براندات»، وأسعاره أصبحت مرهقة كثيرًا للأسر، فقد بلغ سعر تيشرت ابنتى 400 جنيه بينما وصل ثمن بنطلون ابنى إلى 500 جنيه، وهو مبلغ كبير مقارنةً بما كان عليه الحال فى الماضي»..
واستطردت: «ومع ذلك، يظل الشعور نفسه كما كان، والفرق الوحيد أن الزى فى الماضى كان بسيطًا ومتاحًا فى كل مكان، من محلات صيدناوى أو الأسواق التقليدية، أما اليوم فباتت بعض التصميمات تتبع الموضة وتُعرض فى محلات راقية كما لو كانت قطعة فاخرة، مما أضاف بعدًا جديدًا لمفهوم الزى المدرسى ».