الأبناء «ضحية» صراعات الانفصال .. كابوس «يوم الرؤية»!

الأبناء «ضحية» صراعات الانفصال .. كابوس «يوم الرؤية»!صورة تعبيرية

لم أكن أتخيل يومًا أن «يوم الرؤية» الذى سمعنا عنه فى المحاكم والقوانين، يمكن أن يتحول إلى مشهد سينمائى مؤلم مليء بالجروح والصرخات.

كنت أرافق أخي، الذى انفصل عن زوجته، لرؤية طفليه « أيلا » ذات العشر سنوات و«سليم» الذى لم يتجاوز السابعة، وتوقعت أن يكون لقاءً يملؤه الشوق والضحكات، لكننى فوجئت أن ذلك اليوم يحمل فى طياته صراعًا آخر بين عيون خائفة، وقلوب مترددة، وأبواب تفتح على مشاهد صاخبة من خلافات لا تهدأ .

كان الأطفال يقتربون من أبيهم ببطء، ثم يبتعدون سريعًا وكأن بينهم وبين الحنان أسلاكًا شائكة، فيما الأم تلوح بتهديدات صامتة تخنق براءتهم، ليتحول اليوم الذى يفترض أن يكون عيدا للأسرة إلى كابوس جديد يضاف إلى ذاكرة صغار لم يعرفوا بعد معنى الاستقرار.

حكاية طارق.. أب يهرب منه أطفاله

«كل يوم جمعة بالنسبة لى هو جرح مفتوح» هكذا بدأ الأب «طارق عبد الرحمن» حديثه، وهو يروى كيف تحول يوم الرؤية إلى عذاب لا يطاق، فبعد أن حكمت المحكمة برؤيته لطفليه يوم الجمعة أسبوعيًا، فوجئ بأن زوجته السابقة غرست فى عقول الصغار صورة مشوهة عنه.

يقول طارق: «أذهب محملًا بالهدايا والحلوى، لكن أطفالى يرفضون أخذ أى شيء مني، وينظرون إلى بخوف ويقولون: (أنت هتكهربنا).
اكتشفت أنهم يعيشون تحت تهديد دائم من الأم التى توهمهم أن الاقتراب منى سيجلب لهم العقاب».

طارق ليس حالة فردية، بل نموذج يتكرر فى بيوت كثيرة، حيث يتحول يوم الرؤية من جسر تواصل بين الآباء والأبناء إلى أداة للانتقام وتصفية الحسابات.

مريم.. طفلة فى مواجهة الخوف

بدأت أتجول بخطوات بطيئة بين باقى العائلات فوجدت الجدة «أم أحمد» التى قالت لي: إن حفيدتها «مريم» ذات الثمانى سنوات، تذهب إلى رؤية والدها وهى تبكي: «بتقولى لى دايمًا يا تيتة أنا مش عايزة أروح، أصل ماما قالت لو كلمت بابا كتير مش هتتكلم معايا تاني».

الطفلة الصغيرة تجد نفسها ممزقة بين حبها الفطرى لوالدها وخوفها من عقاب والدتها، لتعيش صراعًا يفوق قدرتها على الاستيعاب.

ليان خائفة من والدها لهذا السبب

فى أحد المقاعد المخصصة للرؤية، جلس الأب يحمل بيده شنطة ألعاب وحلوى، عيونه كلها شوق، لكن الطفلة «ليان» (9 سنوات) لم تقترب، ظلت واقفة خلف أمها، تهمس لها: «ماما، ما تاخدينيش عنده... هو بيزعق!»

الأب حاول يمد يديه بالهدايا، لكن الأم قطعت اللحظة بجملة حادة:

«خدى لو عايزة، ما تخليهوش يضحك عليكي»

الطفلة أغلقت يدها الصغيرة، رفضت الهدايا، وبقيت الشنطة مغلقة كما هي!

الدمعة اللى تعلّقت فى العين

فى جانب آخر، جلس طفل اسمه «يوسف» (7 سنوات).

الأب مد ذراعيه ليحضنه، لكن الطفل تراجع خطوة، وخطوة ثانية... ثم جلس على الأرض.

صوته مبحوح وهو يقول: «لو جيت معاك... ماما مش هتكلمنى تاني».

الأب سالت دموعه وهو يمد يده بلا جدوى، دمعة يوسف ظلت معلقة بعينيه، دمعة خوف من أمه، أكبر من شوقه لاحتضان أبيه.

ولا تزال المعركة مستمرة

لم يكد الأب يجلس حتى اشتعلت الحديقة بجدال، و الأم وقفت أمامه بحدة تقول: «إنت عمرك ما هتكون قدوة ليهم!، فيرد بصوت مرتفع: «وانتِ اللى دمّرتى البيت»
الأطفال كانوا فى الوسط، عيونهم تتنقل بين الوجوه، وأصوات الصراخ كالرصاص يخترق قلوبهم.

«سارة» الصغيرة وضعت يدها على أذنها، وأخوها «آدم» شدها من ذراعها وقال:

«يلا نستخبى... هما هيتخانقوا تاني».

لحظة الرؤية، التى كان يفترض أن تكون ساعة وصال، تحوّلت إلى ساحة قتال، والضحايا دائمًا هم الأطفال.

الخصومة بين الجد والأب

فى زاوية أخرى، لم يكن الصراع بين الزوجين فقط، بل تعدى ليشمل الأهل، وقف والد الزوجة بوجه غاضب يقول: «أنا مش هسلّم ولادى لواحد زيه».
و الأب انفجر قائلا: «دول مش ولادك، دول ولادى أنا».

الأطفال وقفوا مذهولين، يتابعون المشهد كأنهم فى محكمة، لكن بلا قاضٍ ينصفهم.

«مريم» تمسكت بيد جدها، بينما أخوها «مالك» وقف فى منتصف المسافة، لا يعرف لمن يذهب.

المكان كله امتلأ بالسباب والاتهامات، حتى أن موظف الرؤية اضطر أن يتدخل ليهدئ النفوس، لكن الحقيقة أن النفوس لم تهدأ، بل انكسرت قلوب صغيرة لا ذنب لها.

جدران صامتة تُخزن الألم

فى هذا السياق، تقول الدكتورة إيمان عبد الله، استشارى الصحة النفسية والعلاقات الأسرية: « الأطفال فى لحظات الصراع بين الأبوين يتحولون إلى جدران صامتة تُخزن الألم.

يوم الرؤية، المفترض أن يكون جسرًا للصلة بين الطفل ووالده، ينقلب فى كثير من الأحيان إلى ساحة لتصفية الحسابات، فينشأ الطفل وهو يربط وجود الأب بالخوف، ووجود الأم بالتهديد، فيتشكل داخله شعور دائم بالقلق والرفض.»

وتابعت: «حين تُستغل براءة الأطفال كأداة ضغط وانتقام بين الأبوين، فهم لا يفقدون فقط حقهم الطبيعى فى الحنان والاستقرار، بل تتصدع ثقتهم فى العلاقات الإنسانية كلها.

الطفل الذى يرى أمه وأباه يتراشقان بالألفاظ أمامه، أو يسمع جده يهاجم والده، يعيش حالة انقسام داخلي: إلى من ينتمي؟ ومع من يقف؟ تلك الحيرة تحفر جروحًا نفسية لا تنتهى بسهولة».

وتوضح أن هذه اللحظات تبقى محفورة فى ذاكرة الطفل مدى الحياة، وتنعكس فى المستقبل على اختياراته وعلاقاته، وبعض الأطفال يكبرون وهم يحملون خوفًا من الزواج، خشية تكرار نفس التجربة.

وآخرون يعانون من اضطرابات نفسية من قلق واكتئاب، أو يصبحون عدوانيين نتيجة تراكم الغضب.

وهناك من ينغلقون على أنفسهم ويشعرون بالدونية لأنهم عاشوا تجربة الانفصال على أنها «وصمة».

وتؤكد: «الحل ليس فى إلغاء يوم الرؤية، بل فى تحويله إلى مساحة آمنة للأطفال، من خلال التزام الأبوين بالهدوء، وتعلم إدارة الخلاف بعيدًا عن عيون الصغار، فالطفل لا يحتاج سوى أن يرى حبًا يحميه، لا حربًا تفتك بذاكرته».

إن ما يسمى بـ «يوم الرؤية» لا ينبغى أن يتحول إلى كابوس متكرر يترك جراحًا لا تٌشفى فى قلوب الصغار قبل الكبار، ف الأطفال ليسوا ساحة لتصفية الحسابات ولا وسيلة للانتقام، بل هم أرواح بريئة تبحث عن الطمأنينة فى عيون الأب و الأم معاً.

وإذا كان الانفصال قدرًا، فإن الإنسانية والرحمة والوعى النفسى يجب أن تكون اختيارًا، حتى لا نظل نزرع فى ذاكرة الأبناء لحظات مؤلمة تبقى شاهدة على قسوة الكبار إلى الأبد.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان