في قلب القاهرة القديمة، وفي زمن الخديوي إسماعيل، بزغ اسم امرأة استثنائية عاشت لتصبح رمزا من رموز الفن الشعبي في مصر. إنها بمبة كشر، التي ولدت في حي الجمالية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وظلت سيرتها تتردد في شوارع القاهرة وأسواقها حتى وفاتها مطلع ثلاثينيات القرن العشرين.
بمبة كشر لم تكن مجرد راقصة، بل حالة فنية كاملة. اشتهرت في الموالد والأفراح الشعبية، وسرعان ما تخطت شهرتها هذه الدوائر لتصل إلى قصور الباشوات وكبار العائلات. حضورها الطاغي على المسرح جعلها أول فنانة مصرية يكتب عنها في الصحف ويذكر اسمها على الملأ بلا مواربة، في وقت كانت فيه أسماء الراقصات تخفى خلف الكواليس.
لم تكتف بالرقص وحده، بل أسست فرقة استعراضية ضمت الغناء والتمثيل إلى جانب الرقص، وهو ما جعلها رائدة لفن متكامل يسبق عصره. كما كان بيتها في الجمالية بمثابة ملتقى فني يجتمع فيه مطربون وملحنون كبار، من بينهم الشيخ سلامة حجازي الذي ارتبطت مسيرته المبكرة بمحيطها الفني.
أما لقب "كشر"، فجاء من ملامح وجهها الصارمة التي كانت تعكس قوة شخصيتها وهيبتها، على الرغم من أن رقصها كان يبعث البهجة ويشعل الحماس في القلوب. قوتها لم تكن فقط في شخصيتها، بل أيضًا في قدرتها على كسر القيود الاجتماعية آنذاك، فكانت أول سيدة مصرية تقف على المسرح أمام جمهور عريض من الرجال والنساء من دون خوف.
اشتهرت أيضا بكونها من أوائل الفنانات اللاتي حصدن أجورا مرتفعة، مكنتها من بناء بيتها الشهير في الجمالية، والذي صار معلما بارزا ارتبط باسمها حتى اليوم.
ولأن الأساطير لا تموت، فقد أعادت السينما المصرية إحياء سيرتها بفيلم "بمبة كشر" عام 1944 بطولة الفنانة بهيجة حافظ، الذي خلد اسمها للأجيال التالية، مؤكدا أن ما صنعته هذه المرأة لم يكن مجرد فن، بل ثورة اجتماعية وثقافية.
لتظل بمبة كشر، حتى يومنا هذا، رمزا للجرأة والتجديد، وأيقونة من أيقونات القاهرة القديمة التي حفر اسمها بجدارة في تاريخ الفن المصري.