في مثل هذا اليوم، الخامس والعشرين من سبتمبر عام 2010، رحل عن عالمنا المخرج الكبير صلاح السقا، رائد فن تحريك العرائس في مصر والعالم العربي، تاركاً وراءه إرثاً فنياً وثقافياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.
وُلد السقا عام 1932 بمحافظة الدقهلية، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، لكنه لم يجد نفسه في مهنة المحاماة، فاتجه إلى عالم الفن الذي خطف قلبه منذ البدايات. التحق بدورة تدريبية على يد الخبير العالمي "سيرجي أورازوف"، ثم سافر إلى رومانيا ليتخصص في فن العرائس ويحصل على دبلوم الإخراج المسرحي. وعاد إلى مصر ليكمل مسيرته بدراسة الماجستير بمعهد السينما عام 1969.
لم يكن مجرد مخرج مسرحي، بل كان بمثابة المؤسس الحقيقي لفن العرائس في مصر. ويكفي أن نذكر رائعته الخالدة "الليلة الكبيرة" التي كتبها صلاح جاهين ولحنها سيد مكاوي، لتبقى حتى اليوم مرآة للشارع المصري، وواحدة من أهم العروض التي حجزت مكانها في الذاكرة الفنية العربية.
قدّم خلال مسيرته أعمالاً مميزة مثل: حلم الوزير سعدون، الأطفال يدخلون البرلمان، خرج ولم يعد، مقالب صحصح ودندش، عقلة الصباع، والديك العجيب.
وكانت كل مسرحية تحمل رسالة إنسانية وتربوية، مؤكدة أن الفن أداة لبناء الوعي قبل أن يكون وسيلة للترفيه.
لم يقتصر عطاؤه على مصر فقط، بل ساهم في تأسيس مسارح للعرائس في عدد من الدول العربية مثل سوريا والكويت وقطر وتونس والعراق، وكان عضواً في الهيئة العالمية لفنون العرائس "UNIMA".
نال صلاح السقا العديد من الجوائز والتكريمات، أبرزها الجائزة الأولى في مهرجان برلين 1973، ووسام من النمسا عام 1989 بمناسبة عرض "الليلة الكبيرة"، إلى جانب تكريمات من الولايات المتحدة والأردن وإيطاليا.
أما على الصعيد الإنساني، فكان السقا مثالاً للأب الذي يغرس القيم قبل أن يورث الشهرة. فقد تربى ابنه الفنان أحمد السقا في كنفه على حب الفن والطيبة والجدعنة، وهي القيم التي كثيراً ما تحدّث عنها أحمد في لقاءاته قائلاً: "أبي استثماره الحقيقي كان في أولاده".
في 25 سبتمبر 2010، أسدل الستار على حياة صلاح السقا بعد صراع مع المرض عن عمر ناهز 78 عاماً. لكن إرثه ما زال حيّاً في كل دمية تتحرك على المسرح، وفي كل عرض مسرحي يُعيد البهجة للأطفال والكبار.
صلاح السقا لم يكن مجرد مخرج… بل كان صانع عالم موازٍ، جعل من الخشب والقماش شخصيات تنبض بالحياة، ومن المسرح بيتاً للضحكة والوعي معاً.