تمر اليوم ذكرى رحيل واحد من أبرز نجوم الكوميديا في مصر، الفنان المنتصر بالله رياض عبد السيد، الذي غاب عن عالمنا في 26 سبتمبر 2020 بعد مسيرة فنية امتدت لنصف قرن، ترك خلالها بصمات لا تُمحى على خشبة المسرح وشاشة السينما والتليفزيون. لم يكن مجرد ممثل يؤدي أدوارًا ثانوية، بل كان شخصية تحمل مزيجًا فريدًا من خفة الظل والموهبة والصدق الفني، ما جعله قريبًا من الجمهور الذي أحبّه بصدق.
حكاية اسم استثنائي
ولد المنتصر بالله في 21 فبراير 1950 بالقاهرة لأسرة مسيحية من أصول صعيدية. وكان لاسمه الغريب والمميز قصة طريفة، فقد ذكر في لقاء تليفزيوني أن والده فقد ثلاثة أبناء أطلق عليهم جميعًا اسم "عزت"، وحين رزق بطفل جديد قرر أن يضع اسم "الله" في اسمه تيمّنًا ودعاءً بالحياة، فأطلق عليه اسم "المنتصربالله".
لاحقًا رزق والده بأبناء آخرين حملوا أسماء مثل "كرم الله" و"محفوظ الله" و"إكرام الله"، ليصبح اسم العائلة كله مرتبطًا ببركة الله، وهو ما انعكس دائمًا على روح الدعابة التي كان يحملها الفنان.
من الزراعة إلى المسرح
رغم ميوله الفنية المبكرة، إلا أن المنتصر بالله التحق في البداية بكلية الزراعة، نزولًا على رغبة والده. المفارقة أن هذه الكلية كانت تضم آنذاك أقوى فرق التمثيل الجامعي، فشارك في أنشطتها جنبًا إلى جنب مع عادل إمام وصلاح السعدني وغيرهم من المواهب الشابة. لاحقًا حقق حلمه فالتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وحصل على البكالوريوس عام 1969 ثم الماجستير عام 1977، ليبدأ مشواره الاحترافي مع فرقة ثلاثي أضواء المسرح، قبل أن يتبناه الفنان الكبير فؤاد المهندس ويمنحه فرصًا مهمة على المسرح.
مشوار فني ثري
عرفه الجمهور لأول مرة بشكل لافت في مسرحية "عائلة سعيدة جدًا" مع السيد بدير وأمين الهنيدي، ومنها انطلق ليشارك في عشرات الأعمال المسرحية من أبرزها:
شارع محمد علي (مع شريهان وفريد شوقي).
علشان خاطر عيونك (مع فؤاد المهندس).
عشان خاطر عيونك واستجواب وحضرات السادة العيال.
أما في السينما فقد شارك في نحو 44 فيلمًا، من بينها أدوار رئيسية وأخرى مساعدة، لكنه ترك بصمة واضحة في أعمال مثل:
سواق الأتوبيس (مع نور الشريف).
ضد الحكومة (مع أحمد زكي).
الشيطانة التي أحبتني، الحدق يفهم، المواطن مصري.
وعلى شاشة التليفزيون كان حضوره أكثر اتساعًا، حيث قدّم ما يقرب من 94 عملًا ما بين مسلسلات وتمثيليات سهرة. من أبرز مسلسلاته:
أرابيسك.
أنا وأنت وبابا في المشمش.
حقًا إنها عائلة سعيدة جدًا.
أبناء ولكن.
الدنيا لما تلف.
كما خاض تجارب إذاعية وبرامج تليفزيونية، من بينها آخر كلام ولا أرى لا أسمع.
رحلة مع المرض
بدأت معاناته الصحية عام 2008 عندما أصيب بجلطة في المخ أدخلته في غيبوبة طويلة أثّرت على حركته، لكنه تمكّن من التعافي جزئيًا بفضل العلاج الطبيعي. رفض العلاج على نفقة الدولة وأصرّ أن يتكفل بعلاجه، وظل يحاول العودة إلى الفن، حتى طلب من وزير الثقافة آنذاك فاروق حسني إسناد دور له على المسرح الكوميدي ليستعيد نشاطه. لكن المرض ظل يلاحقه، ومع جائحة كورونا توقّف عن جلسات العلاج الطبيعي، ليدخل في أزمة صحية جديدة انتهت برحيله في المستشفى العسكري بالإسكندرية عام 2020.
حياة أسرية هادئة
تزوج المنتصر بالله من الفنانة عزيزة كساب، وأنجب منها أبناءً وأحفادًا، كان يحرص دائمًا على قضاء أجمل أوقاته معهم، خاصة مع أحفاده الأربعة الذين كانوا يخففون من آلام مرضه ويمنحونه طاقة حب لا تنتهي. في لقاءاتها التليفزيونية كانت عزيزة كساب تعبر عن فخرها الشديد بزوجها وبأعماله التي صنعت له مكانة خاصة في قلوب المصريين.
الجوائز والتقدير
نال المنتصر بالله خلال مسيرته عددًا من الجوائز الفنية، أبرزها جوائز أفضل فنان كوميدي في التسعينات، إضافة إلى تكريمات من مهرجانات مسرحية وتليفزيونية عديدة. وقد صدر عنه كتاب نقدي بعنوان "المنتصر بالله.. ضحكة سعيدة" للناقد أحمد محمد الشريف ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري، تناول مشواره الفني وأثره في الكوميديا المصرية.
إرث فني باقٍ
رحل المنتصر بالله عن عمر ناهز السبعين عامًا، لكنه ترك إرثًا من الضحك والبهجة سيظل حاضرًا في وجدان محبيه. فهو الفنان الذي جمع بين خفة الظل والفكر، وجعل من الأدوار الثانوية بطولات، ومن المواقف الصغيرة لحظات لا تُنسى. في ذكرى رحيله يبقى اسمه شاهدًا على قدرة الفن على مداواة القلوب، وصناعة البهجة وسط صعوبات الحياة.