كلما أعيد عرض a من تأليف بهجت قمر وإخراج إبراهيم الشقنقيري، وبطولة فؤاد المهندس وسناء جميل وشيرين ويونس شلبي، جلست للمشاهدة والترحم على المؤلف الكبير، أحد أسطوات الدراما عموما، ورفيق مشوارالثنائي فؤاد المهندس وشويكار، وصاحب الأعمال المميزة في المسرح والإذاعة والسينما والتليفزيون.
أكتشفُ جديدا فى كل مرة فى هذا السيناريو البديع المرّكب، وفى تلك الحلقات التى عرضت لأول مرة على القناة الثانية المصرية فى رمضان من العام 1981، ومنذ تلك اللحظة التى حققت فيها نجاحها الكبير فى 13 حلقة فقط، صارت من "كلاسيكيات الدراما التليفزيونية المصرية"، ومن أفضل وأشهر أعمال مؤلفها ومخرجها وممثليها، ولا يعيبها فى رأيى سوى ضعف الإنتاج، الذى انعكس على فقر واضح فى الديكورات، مثل منزل المحامى رأفت الإسكندرانى وزوجته وابنته، وفقر ديكورات مكتبه أيضا، وكذلك ديكور المحكمة .. إلخ.
والحقيقة أن هذه الأعمال الكبيرة والمهمة كانت تنتج بميزانيات محدودة، وكانت ظروف التصوير الخارجى فيها بائسة، أما السفر الى الخارج مثلا، إذا تطلبت الدراما ذلك، فهو أمر من سابع المستحيلات.
لكن عناصر أساسية كالسيناريو، والإخراج، واختيار الممثلين فى أدوارهم المناسبة، وأدائهم العظيم، كانت فى أفضل أحوالها، ومسلسل "عيون" هو أحد الأدلة على هذا التميز، وفى صورة رفيعة ناضجة.
الأسطى فى حرفته هو "الأستاذ" والمعلم، وقد كان بهجت قمر كذلك، وفى أعماله التى تصنف على أنها كوميدية مشاهد كثيرة مثيرة للشجن وللأسى، مثل مشاهد هامة ومحورية فى "عيون"، كالمواجهة بين كريمة وأمها د رأفت ، لأنها نسيت واجبها كأم تجاه ابنتها، ومشهد ثورة حيرم على كريمة بعد إدخاله المصحة، ومشهد مختار الإسكندرانى وهو يجبر نفسه على الاستيقاظ وعدم النوم، حتى لا يتركب جريمة ضد زوجته وابنته.
لكن مغامرة الأستاذ بهجت فى هذا المسلسل تتجاوز كل ذلك، وتبدأ من هذا العنوان العجيب "عيون"، الذى يشير منذ البداية الى أن حكايته تناقش ما هو أبعد من مفارقاتها العجيبة، لأنها حكاية عن عيون الآخرين التى نخاف مواجهتها، والتى تمثل الجحيم بالنسبة لنا وفقا لمقولة سارتر، وهى أيضا حكاية عن أفكارنا التى نتوهمها عن ذواتنا وعن الآخر، بل ربما تكون حكاية مختار الإسكندراني، الذى تجسدت أزمته فى الحفاظ على صورته أمام عيون المجتمع، هى كذلك عن تلك "العيون" التى نرى بها اللاشعور والعقد النفسية.
التحديات التى تغلّب عليها الأستاذ بهجت متعددة: فليس سهلا أن تقدم هذا المزيج الكوميدى والنفسى والإجتماعى والبوليسي، بل إن شخصية مختار الإسكندرانى تبدو تراجيدية بالأساس، وفيها كل عناصر البطل التراجيدي:
هذا رجل مجتهد وقوى وموهوب وناجح، ولكنه وحيد بلا أصدقاء، ويعيش حياة جافة مع زوجة جادة ومشغولة، وليس لديه سوى ابنته، التى ستتركه بعد زواجها، ولذلك يصبح مأزوما نفسيا، ويعيش كابوس ارتكابه جريمة قتل، مما يجعله على شفا فضيحة مضاعفة بأن يكون قاتلا، بعد أن كان أستاذ قانون ومحاميا شهيرا.
شخصية كهذه من الأسهل تقديمها فى معالجة تراجيدية، وبنفس الحبكة البوليسية، لكن الأستاذ بهجت اختار أن يقدمها فى قالب كوميديا سوداء، وأعتقد أن شخصية حيرم بالذات، والتى أبدع يونس شلبى فى تقديمها، فكأنها كتبت له، هى التى فتحت أفاقا أوسع للمفارقة الكوميدية، ودفعت الأحداث للأمام، ثم بدرجة تالية شخصية صفوت، التى لعبها ببراعة المنتصر بالله، والشخصيتان من أفضل الشخصيات المساعدة فى تاريخ الكتابة الدرامية التليفزيونية المصرية.
ولكن .. كيف ائتلف هذا البناء المعقد ؟
هناك الخط الإجتماعى عن أسرة تعيش معا، ولكن كل واحد منها فى عالمه، مع علاقة خاصة لأب متعلّق جدا بابنته الوحيدة، وهناك الخط النفسى بكل تفاصيله، عندما نعرف خطورة المرض النفسى الذى يعانى منه مختار الإسكندراني، بما لا يجعله متذكرا ولا مسؤولا عما يفعله، وهو يمشى أثناء النوم، وهناك الخط البوليسى بوقوع جريمة، واعتقاد د مختار أنه هو من ارتكبها، ودخول الشرطة على الخط، لتدفع بهذا الخط الى الأمام.
البناء مثل قطع الدومينو التى تكمل بعضها: أزمة مختار الإجتماعية تسبب أزمته النفسية، وأزمته النفسية ستصنع جريمة، وحبكة بوليسية، وفى كل خط صراع داخلى وخارجى متصاعد، ومفارقات تراجيكوميدية مدهشة، وكل حلقة لها ذورة ونهاية مفاجئة على طريقة "قفلات" المسلسلات الإذاعية، وكل خط مرتبط بالآخر ويغذيه فى اتجاه ذروة للمسلسل كله، ثم نهاية تحلّ الأزمات الثلاثة مرة واحدة: الإجتماعية والنفسية والبوليسية.
ربما يحتاج الأمر الى رسم بيانى لهذه الخطوط لشرح كيف يقوم الأستاذ بهجت بتضفيرها وتعقيدها ثم تفكيكيها، مع "استخدام" حيرم وصفوت بالتحديد، وفى مكانهما بالضبط، لكى يعقّد أحدهما حياة عائلة مختار الإسكندراني، و ينقذ الآخر هذه العائلة، وكأنهما طرفان يكملان عالما مغلقا يمثله مختار ورأفت وكريمة، ومن خلال لعبة المعرفة والجهل، والخفى والمعلوم، يستمر الصراع، وتتجدد المفارقة، طوال الوقت، وبكل التنويعات تقريبا.
هذا هو الإنسان القوى الذى يمثله مختار وقد صار ضعيفا هشا، وهذا صاحب المعرفة الذى لا يعرف ماذا فعل ؟، وهذه الزوجة القوية تدرك أخيرا كم تحب زوجها؟ وكيف كانت تعيش فى بيت هشّ؟ وكيف كانت جاهلة بما يمكن أن يصل إليه شقيقها الفاشل؟
يمكنك، بعد أن تضحك وتصفق لأداء الممثلين، أن تتأمل أن اللعبة فى جوهرها عن العقول المرتّبة فى مواجهة الفوضى، ولكن بعد أن تتسلح هذه العقول بالعاطفة والبصيرة، وربما التواضع أيضا، وبعد أن يكتشف مختار ورأفت أن المعرفة الحقيقية هى معرفة الذات والآخر، وأن النجاح فى العمل، لا يعوّض حياة العائلة، وأن المصارحة هى أفضل طريقة لمعالجة المشكلات.
أعاد مسلسل "عيون" تفكيك وتعريف العلاقات الإنسانية، ولكنه لم ينقذ بطله وأسرته، إلا بعد أن أضحكنا على ضعف الأقوياء .