محمد الكحلاوي.. "مداح الرسول" الذي سخّر الفن لعبادة الله

فنون1-10-2025 | 09:45

في الأول من أكتوبر عام 1912 وُلد صوتٌ سيصبح فيما بعد رمزًا خالدًا في وجدان المصريين والعرب، الفنان محمد الكحلاوي، المطرب والمنشد الديني الذي حمل الفن رسالةً إيمانية وإنسانية، ووضع بصمته الخاصة في الغناء البدوي والشعبي والديني، بل وفي السينما أيضًا. ورغم أنه عاش يتيمًا منذ اللحظة الأولى لولادته بعد وفاة أمه ثم والده، إلا أن القدر هيأ له طريقًا فنيًا عظيمًا، جعله يُلقَّب لاحقًا بـ"مداح الرسول".

البدايات بين اليُتم والفن

وُلد محمد الكحلاوي في بلدة منيا القمح بمحافظة الشرقية، ليجد نفسه يتيم الأب والأم، فيتولى خاله الفنان محمد مجاهد الكحلاوي تربيته ورعايته، وهو أحد معاصري المطرب الكبير صالح عبد الحي. هذا الخال لم يكن مجرد ولي أمر، بل كان معلمًا ومرشدًا، حمل الطفل إلى عالم الفن، فاصطحبه إلى الحفلات والموالد، وغرس في وجدانه حب الطرب والإنشاد.
من هنا، تشبع الكحلاوي منذ الصغر بأجواء الفن الأصيل، واكتسب الأذن الموسيقية والصوت العذب الذي ورثه عن خاله، ليصبح فيما بعد أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بالروح المصرية والعربية.

الوظيفة الأولى والصدفة التي صنعت نجمًا

بدأ الكحلاوي حياته موظفًا في السكك الحديدية، لكنه لم يجد نفسه بين الدفاتر والوظائف الروتينية، فاتجه إلى عالم المواويل الشعبية. التحق بفرقة عكاشة المسرحية، وبدأ مشواره الفني من هناك.
ولعبت الصدفة دورًا حاسمًا في شهرته؛ إذ كان يعمل كومبارسًا بالفرقة، وحين تأخر المطرب الأساسي زكي عكاشة في إحدى الحفلات، طُلب من الكحلاوي الغناء لتسلية الجمهور. صوته أشعل القاعة، لكن المفاجأة أفزعته فهرب من المسرح، غير مدرك أن تلك اللحظة كانت بداية طريق المجد.

رحلة الشام.. ثروة فنية ومادية

هرب الصبي مع فرقة عكاشة إلى بلاد الشام، وهناك قضى ثماني سنوات كاملة متنقلًا بين سوريا ولبنان وفلسطين، يتعلم أصول الغناء العربي الأصيل، ويستمع إلى الموشحات والقدود، ويكتسب اللهجة البدوية وإيقاعاتها.
في تلك السنوات، برع في أداء الموال والعتابا والطرح والجول، حتى عاد إلى مصر شابًا يافعًا في العشرين من عمره، لا يحمل فقط ثروة مالية ضخمة بلغت 38 ألف جنيه – وهو مبلغ مهول آنذاك – بل أيضًا رصيدًا فنيًا جعله مؤهلًا ليكون "رائد الأغنية البدوية".

رائد الأغنية البدوية

بعد عودته، اتجه الكحلاوي إلى الغناء البدوي، مؤسسًا ثلاثية فنية مبهرة: بيرم التونسي شاعرًا وكاتبًا، زكريا أحمد ملحنًا، وهو مغنيًا. هذه الشراكة أنتجت أغانٍ راسخة في وجدان الناس.
لم يكتفِ بالغناء، بل اقتحم السينما بجرأة، فكان أول أفلامه مع كوكا وسراج منير، ثم أسس ثاني شركة إنتاج سينمائي في الوطن العربي، تحت اسم "شركة إنتاج أفلام القبيلة". هذه الشركة تخصصت في الأفلام البدوية، ونجحت في تقديم نحو 40 فيلمًا، منها: "أحكام العرب"، "يوم في العالي"، "أسير العيون"، و"بنت البادية".
بهذا، لم يكن الكحلاوي مجرد مطرب، بل رائدًا في تمصير السينما العربية، حيث حوّلها من نصوص أجنبية مترجمة إلى مادة محلية أصيلة.

مداح الرسول.. مرحلة الإنشاد الديني

المرحلة الأهم في مسيرة الكحلاوي كانت انتقاله الكامل إلى الغناء الديني، الذي مثل نصف إنتاجه الفني تقريبًا. لحّن أكثر من 600 لحن ديني من أصل حوالي 1200 لحن قدّمها، فكان أول من وضع الأغنية الدينية في قالب موسيقي كامل بفرقة أوركسترالية.
قدّم ملاحم وسيرًا دينية مثل: سيرة محمد، سيرة السيد المسيح، قصة إبراهيم الخليل. وارتبط اسمه بأغنيات خالدة مثل: "لأجل النبي"، "يا قلبي صلّ على النبي"، "خليك مع الله"، و"نور النبي".
لم يكن الكحلاوي يرى الفن مجرد تسلية، بل اعتبره طريقًا للهداية. لذلك رفض الغناء لأي ملك أو رئيس، واكتفى بالمديح النبوي، حتى أصبح صوته مرادفًا للمناسبات الدينية في مصر والعالم العربي.

الوطني العاشق لفلسطين ومصر

إلى جانب الفن الديني، قدّم الكحلاوي أغاني وطنية مؤثرة، خاصة مع نكبة فلسطين عام 1948. أنشد بصوته القوي أغانٍ مثل: "خلي السيف يجول"، "وين يا عرب"، و"يا أمة الإسلام". كانت كلماته تشحذ الهمم وتدعو للوحدة.
وفي انتصارات أكتوبر 1973، ربط بين الروح الإيمانية والوطنية قائلًا:
"على نورك قمنا وعدينا يا رسول الله".

التكريم.. أقل مما يستحق

رغم إنجازاته، لم يحظَ الكحلاوي بالتكريم الذي يوازي مكانته. حصل على جائزة التمثيل عن فيلم "الزلة الكبرى"، وجائزة الملك محمد الخامس، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1967، ثم جائزة الدولة التقديرية. ورغم ذلك، ظل تقديره أقل بكثير مما أعطى للفن والدين.

حياة الزهد والعبادة

انتابت الكحلاوي روح إيمانية جارفة في سنواته الأخيرة. أدى فريضة الحج 40 مرة متتالية، وبنى مسجدًا يحمل اسمه بجوار مدافن الإمام الشافعي، هجر لأجله عمارته المطلة على النيل في الزمالك. أقام فوق المسجد استراحة ومدفنًا، حيث دُفن بعد وفاته في 5 أكتوبر 1982.
ظل يردد أنه لا يندم إلا على الفترة التي عاشها بعيدًا عن طاعة الله، واصفًا إياها بـ"جاهلية محمد الكحلاوي".

أعماله السينمائية

شارك الكحلاوي في عشرات الأفلام، من أبرزها:

"بنت البادية" (1958)

"كابتن مصر" (1955)

"خليك مع الله" (1954)

"الصبر جميل" (1951)

"أنا وأنت" (1950)

"مبروك عليكي" (1949)

"أسير العيون" (1949)

"ابن الفلاح" (1948)

"أحكام العرب" (1947)

"يوم في العالي" (1946)

"المغني المجهول" (1946)

"الزلة الكبرى" (1945)

"حسن وحسن" (1945)

"ابنتي" (1944)

"طاقية الإخفاء" (1944)

"رابحة" (1943)

"جوهرة" (1943)

"عايدة" (1942)

"بحبح في بغداد" (1942)

"عريس من استانبول" (1941)

"حياة الظلام" (1940)

"العزيمة" (1939)

"تيتاوونج" (1937)

"عنتر أفندي" (1935).

محمد الكحلاوي لم يكن مجرد مطرب أو ممثل؛ بل كان ظاهرة فنية وروحية جمعت بين الأصالة والالتزام، بين الفن والدين، بين الوطن والعقيدة.
واليوم، يسعى ابنه الفنان أحمد الكحلاوي لإنشاء متحف يضم مقتنياته وأوسمته وصوره النادرة بجوار مسجده، ليظل إرث

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان