في الثاني من أكتوبر عام 1935، وُلد في مدينة المحلة الكبرى واحد من الأسماء التي حفرت حضورها العميق في سجل المسرح المصري والعربي، المخرج والممثل السيد راضي. رحلة فنية امتدت لأكثر من نصف قرن، لم يكتفِ خلالها بالوقوف أمام الكاميرا أو إدارة خشبة المسرح، بل انشغل ببناء مؤسسات وحلم أكبر: أن يكون للفن دور اجتماعي وثقافي حقيقي.
المسرح.. البداية والرسالة
منذ أن تخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1960، حمل راضي على عاتقه مسؤولية إعادة الاعتبار للمسرح كفن جماهيري. أخرج أكثر من 25 مسرحية تنوعت بين الكوميديا والاجتماعيات والسياسة، ليثبت أن المسرح قادر على أن يكون مرآة للمجتمع وصوتًا للناس. ومن أبرز أعماله: القضية رقم واحد، دلع الهوانم، الصعايدة وصلوا، الدخول بالملابس الرسمية.
لكن علامته الفارقة جاءت عام 1983 حين أسس مسرح الطفل في مصر، واضعًا اللبنة الأولى لفكرة أن الطفل ليس مجرد متلقٍ، بل جمهور يستحق فناً يربي خياله وذائقته.
قيادي بالفطرة
لم يكن غريبًا أن يُنتخب في 1993 رئيسًا لاتحاد النقابات الفنية، حيث عرف عنه حرصه على حقوق الفنانين، وشارك باسم مصر في المحافل الدولية، حتى وصل إلى عضوية المجلس التنفيذي للاتحاد الدولي للنقابات الفنية عام 1995.
كما تقلد عدة مناصب منها: مدير المسرح الكوميدي، وكيل وزارة الثقافة، وعضو المجلس الأعلى للثقافة، ليجمع بين الفنان والمسؤول، المخرج الذي يعرف دهاليز الكواليس والإداري القادر على التفاوض باسم زملائه.
بين الشاشة والناس
إلى جانب المسرح، ترك بصمة في السينما والتلفزيون. شارك في أفلام مهمة مثل أبناء الصمت، وراء الشمس، الذل، مهمة في تل أبيب، بينما عرفه الجمهور في الدراما من خلال أعمال مثل رأفت الهجان، جمهورية زفتى، لا أحد ينام في الإسكندرية.
كان يؤمن أن الممثل لا يقتصر دوره على الأداء، بل هو رسول يحمل الهم الإنساني أينما كان، سواء عبر شاشة السينما أو خشبة المسرح.
النهاية بلون الورد
في عام 2009، وأثناء تصوير مسلسل الدنيا لونها بمبي، أصيب بأزمة صحية مفاجئة. دخل المستشفى لكنه لم يخرج منه إلا محمولًا على الأكتاف في جنازة مهيبة من مسجد مصطفى محمود. رحل عن عمر ناهز 74 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا ومؤسسيًا لا يزال حاضرًا.
إرث لا يُمحى
السيد راضي لم يكن مجرد مخرج أو ممثل، بل كان حالة فنية استثنائية؛ جمع بين التجربة والرسالة، بين الفن والإنسان. ترك وراءه مسرحًا حيًا، وجيلًا من الفنانين الذين تتلمذوا على يديه، ومؤسسات فنية ما زالت تحمل اسمه ورؤيته.