تتجسد الحقيقة المتشحة بالسواد في الواقع الذي تراه أعين العالم كل يوم، دون مواربة أو تزييف.
فعلى الرغم من الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطين — إذ بلغ عدد الدول المعترفة بها 155 دولة — ورغم مخرجات مؤتمر الأمم المتحدة والقمة العربية الإسلامية الأخيرة، التي شكّلت ضغطًا سياسيًا ودبلوماسيًا مهمًا، إلا أن آلة الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ما تزال تمارس همجيتها، تنهش أجساد الأبرياء وتدكّ الحجر والشجر، دون تمييز بين طفل أو شيخ، امرأة أو رجل.
لم تُثنِها صرخات الأطفال، ولا عويل النساء، ولا أنين الشيوخ، بل تجاوزت وحشيتها كل حدود، فاستهدفت حتى المنظمات الإغاثية: قتلت أفرادها، وشكّكت في نزاهتها، وعرقلت مهامها الإنسانية.
ولم تكتفِ باستخدام السلاح التقليدي، بل أضافت إليه أقسى أشكال الحصار: التجويع، والتعطيش، والإذلال الجماعي، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية والإنسانية.
إنها حرب إبادة منظمة، تُسقِط كل أقنعة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي يتشدق بها الغرب عامة، وأمريكا خاصة، حينما تكون مصالحهم بعيدة عن الخطر، ويكتمونها حين تتعارض مع تلك المصالح.
البلاغة تعجز أمام المأساة
الحقيقة لا تحتاج إلى تزيين أو مبالغة، لأنها على الأرض دامغة، تفضح نفسها كل يوم.
ومهما اجتهدت الكلمات، فلن تُعبّر عن حجم المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني المحروم من أبسط مقومات الحياة.
فالمأساة أكبر من أن تُحكى، وأقسى من أن تُوصف.
"صفقة العصر".. البديل المُرّ والمرفوض
لقد قالها "شيطان العصر"، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين طرح ما سُمّي بـخطة السلام، أو ما أُطلق عليه زورًا "صفقة القرن".
الخطة، في مضمونها الحقيقي، تخيير الشعب الفلسطيني بين الإبادة أو الاستسلام الكامل لكل بنود المبادرة، دون قيد أو شرط.
وإذا تأملنا بنود الخطة، التي بلغت عشرين بندًا، نجد أنها في ظاهرها رحمة، وفي باطنها عذاب:
1. وقف القتال شرط موافقة حماس وإسرائيل معًا.
2. إطلاق سراح الرهائن خلال 72 ساعة من إعلان إسرائيل قبولها.
3. نزع سلاح حماس وتدمير بنيتها العسكرية بالكامل، وهو شرط يُدرك ترامب قبل غيره أن حماس لن تقبله بسهولة، لما فيه من خضوع غير مشروط و إلغاء تام للمقاومة.
حل الدولتين.. غائب في طيّات الخطة
المفارقة الكبرى أن أهم بند في الخطة، وهو المسار السياسي نحو حل الدولتين، جاء غامضًا وباهتًا، غير محدد المدة أو الآليات، مما يُفرغ كل الوعود من مضمونها.
فلو كانت الخطة عادلة بالفعل، لربطت بين نزع السلاح وبين قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. حينها فقط، يمكن مناقشة موضوع تفكيك الفصائل المسلحة كجزء من تسوية سياسية شاملة.
خدعة ترامب.. تسويق الفشل كأنّه سلام
القراءة السطحية للخطة الترامبية قد توحي لبعض المتابعين بأنها تحمل "عناصر منطقية"، لكنها في حقيقتها فخ سياسي مدروس.
ترامب، كما يُقال في المثل الشعبي، "وضع العُقدة في المنشار"، فهو يدرك تمامًا أن تسليم حماس لسلاحها دون مقابل عادل أمر مستحيل، لكنه أراد من خلال هذه الشروط أن يُلقي باللائمة على الفلسطينيين، ويُظهرهم كمعرقلين للسلام.
إدارة غزة.. إهانة جديدة للعرب
الخطة تنص على تشكيل لجنة لإدارة غزة بعد الحرب، يفترض أن يرأسها ترامب نفسه، ومعه توني بلير، في خطوة تمثل إهانة للعروبة، وخيانة لدماء الشهداء، وتجاوزًا للسيادة الفلسطينية.
ولا يخفى على أحد ما يشوب سجل كلا الرجلين من شبهات ومواقف مخزية في قضايا المنطقة، مما يُفقد أي مصداقية لهذه اللجنة المقترحة.
البدائل الحقيقية.. ضغط دولي ووحدة عربية
من هنا، فإن خطة ترامب لا تمثل بديلًا عادلًا، مهما بدت في ظاهرها وجيهة أو واقعية، لأنها ببساطة تُخفي بين سطورها عشرين فخًّا لا ينجو منها حتى أشد المتفائلين.
أما البدائل الأقرب إلى العدالة، فتتمثل في:
ضرورة تحرك الدول الكبرى المحبة للسلام للضغط على الولايات المتحدة واحترام ميثاق الأمم المتحدة.
استخدام وسائل الضغط العربي، المباشرة وغير المباشرة، للتأثير على المصالح الأمريكية في المنطقة.
إرادة سياسية عربية موحدة وصادقة، تقوم على وحدة الصف والكلمة والمبدأ، بعيدًا عن التشتت والانقسام.
لا دولة بدون قوة وإرادة
من دون هذه المعادلة — الضغط الدولي، والإرادة العربية الموحدة — لن ترى الدولة الفلسطينية النور في المستقبل القريب، حتى وإن اعترفت بها كل دول العالم.
فطالما ظلت الولايات المتحدة تمسك بزمام القرار، وتمتلك أدوات الحرب، وتتحكم بحق النقض (الفيتو)، فإن كل الاعترافات لن تكون سوى حبر على ورق، أمام واقع الاحتلال والإبادة.