في حياة كل محاربة وردية لحظة فاصلة تغيّر مسارها إلى الأبد، لكن القليل من بينهن استطعن تحويل الوجع إلى رسالة، والألم إلى طاقة حياة جديدة. من بين هؤلاء، برز اسم مها نور، مؤسسة مبادرة "ذراعي خط أحمر" وجمعية "سحر الحياة" لدعم أبطال السرطان، التي حوّلت تجربتها القاسية مع المرض إلى مشروع إنساني يحمي آلاف السيدات من مضاعفات خطيرة، ويزرع فيهن الأمل من جديد.
قبل أربعة عشر عامًا، وفي يوم كان يفترض أن يكون سعيدًا، اكتشفت مها نور في عيد ميلادها الثالث والثلاثين وجود ورم في ثديها. لم يمر أسبوع حتى تأكدت شكوكها، إذ جاءت نتيجة التحاليل لتعلن إصابتها بسرطان الثدي. دخلت غرفة العمليات سريعًا لاستئصال الورم، لتبدأ بعدها رحلة العلاج الكيميائي التي وصفتها بـ"طوق النجاة القاسي" — الطريق الوحيد نحو الشفاء رغم صعوبته.
تقول مها إن المرض لم يغير شكل حياتها فحسب، بل أعاد صياغة شخصيتها بالكامل. كانت قبل الإصابة امرأة عادية لا تتحمل المسؤولية، تفتقر إلى الثقة بالنفس، وتعيش بلا هدف واضح. لكن التجربة القاسية منحتها وعيًا جديدًا وقوة لم تكن تعرفها في نفسها. خلال فترة التعافي، التقت بصديقة أعادت إشعال شغفها القديم بالكتابة، لتبدأ أولى خطواتها في التعبير عن تجربتها من خلال مدونة إلكترونية، تحولت لاحقًا إلى مجلة نسائية باسم "سحر الحياة"، تكتب فيها مها عن قصص ملهمة وتجارب إنسانية حقيقية، كما أصبحت كاتبة في عدد من الصحف والمجلات اليومية.
لكن رحلة مها لم تتوقف عند الشفاء الأول، إذ عاد المرض مرة أخرى ليختبر صبرها وقوتها. خضعت لعدة عمليات جراحية، وفي إحدى المرات كادت تتعرض لخطأ طبي داخل غرفة العمليات، عندما حاولت الممرضات تركيب الأجهزة في ذراعها الذي استؤصلت منه الغدد الليمفاوية دون مراجعة ملفها الطبي. صرخت مها لتوقفهن، موضحة أن هذا الإجراء قد يعرضها لمضاعفات خطيرة، إذ أن ذراع مريضة سرطان الثدي بعد استئصال الغدد الليمفاوية يصبح شديد الحساسية لأي ضغط أو حقن أو كدمة، مما قد يؤدي إلى الليمفيديما (Lymphedema) — وهو تورم مؤلم في اليد والذراع قد يصعب علاجه لاحقًا.
من تلك اللحظة، ولدت فكرة "ذراعي خط أحمر". تقول مها: "شعرت أن عليّ أن أحمي غيري من الموقف الذي تعرضت له".
أطلقت المبادرة لتوعية السيدات بخطورة استخدام الذراع المصاب، وصممت أسورة نحاسية تُرتدى على اليد مكتوب عليها باللغتين العربية والإنجليزية عبارات واضحة: "ممنوع قياس الضغط أو سحب الدم أو الحقن من هذا الذراع". هذه الأسورة، المعترف بها دوليًا، أصبحت وسيلة إنقاذ حقيقية في حالات الطوارئ أو فقدان الوعي، لتساعد الطواقم الطبية على تجنب أي تدخل يضر بالمريضة.
قامت مها بتوثيق الملكية الفكرية للفكرة رسميًا وسجلتها في الشهر العقاري، ثم أسست جمعية "سحر الحياة لأبطال السرطان" المشهرة من وزارة التضامن الاجتماعي، لتواصل من خلالها رسالتها في تقديم الدعم النفسي والمعنوي لكل مرضى السرطان، ونشر ثقافة الوعي والمساندة بدلًا من الخوف والعزلة.
اليوم، تُعتبر مها نور نموذجًا ملهمًا لـ"المحاربات الوردية" اللواتي واجهن السرطان بالإيمان والعمل، فكانت رحلتها مثالًا على أن الشجاعة لا تعني غياب الخوف، بل تعني الاستمرار رغم وجوده، وتحويل الألم إلى بصمة أمل في حياة الآخرين.