تُعد القضية الفلسطينية ركيزة أساسية في السياسة الخارجية المصرية، إذ ظلت القاهرة لعقود الطرف الأكثر تأثيرًا في مسار الصراع العربي–الإسرائيلي، بحكم موقعها الجغرافي، وثقلها السياسي، ودورها التاريخي في دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وقد تجلى ذلك في المبادرات المصرية المتكررة لوقف التصعيد في قطاع غزة، ورعاية المصالحة الفلسطينية، وفتح قنوات تفاوضية مع الأطراف الدولية والإقليمية، وفي خضم التوترات الأخيرة التي أثارتها خطة ترامب وما تبعها من تحركات ميدانية وسياسية، برز الدور المصري كعامل توازن لا غنى عنه، قادر على الجمع بين قوة الموقف السياسي وواقعية الوساطة.
ولعل توجيه الرئيس الأمريكي الشكر للرئيس عبد الفتاح السيسي يحمل دلالات عميقة تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية؛ فهو اعتراف ضمني بأن القاهرة ما زالت تمسك بخيوط أساسية في معادلة الصراع، وأن جهودها لاحتواء الموقف في غزة تظل حاسمة في منع انزلاق الأوضاع إلى انفجار شامل، كما يعكس هذا التقدير الدولي مكانة مصر كدولة محورية في المنطقة، وقادرة على إدارة الملفات المعقدة بأدوات الدبلوماسية الذكية والتوازن الاستراتيجي، بما يجعلها شريكًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص مستقبل القضية الفلسطينية.
في هذا الصدد صرّح د. أشرف سنجر، خبير السياسات الدولية، أن هناك دولًا تتمتع بمركز إقليمي ودولي كبير وثقل لا يمكن إغفاله، وتحرص الولايات المتحدة الأمريكية على توطيد علاقاتها معها، وتُعد مصر في مقدمة تلك الدول خاصة في القارة الإفريقية، إذ إنها الدولة التي تربط بين شمال إفريقيا والمنطقة العربية، مما يجعل لها دورًا فاعلًا في الدوائر السياسية والأمنية، وأوضح أن شكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئيس عبد الفتاح السيسي جاء في هذا الإطار، ليعكس رؤية السياسة المصرية وموقفها الثابت الذي حظي بتقدير ترامب وأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين.
وأضاف سنجر أن عملية صنع القرار في الشرق الأوسط تمر بعدة مستويات، من بينها قراءة مشهد الرأي العام الأمريكي، ووفقًا لآخر استطلاعات الرأي بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في غزة، انقلبت الصورة ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتنياهو تمامًا، وأصبح الموقف المصري مقبولًا لدى قطاعات واسعة من الشباب والرأي العام الأمريكي، الذي يرى أن حرب غزة يجب أن تتوقف فورًا، وهو ما شكّل ورقة ضغط على الرئيس ترامب.
وأشار خبير السياسات الدولية إلى أن زيارات أعضاء الكونجرس الأمريكي للقاهرة ولقائهم الرئيس السيسي أحدثت نقلة نوعية، حيث اعتمد الرئيس السيسي على أن لا يكتفي هؤلاء النواب بالاستماع إلى الرواية المصرية من القاهرة فقط، وإنما أن يشاهدوا بأنفسهم حقيقة ما يجري في غزة، وقال إن أعضاء الكونجرس رأوا وسمعوا مباشرة حقيقة الأوضاع، كما لمسوا الدور المصري العروبي الذي يقوم به الرئيس السيسي في دعم حق الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية.
وأكد سنجر أن شكر الرئيس ترامب للرئيس السيسي يعكس عقلانية القيادة المصرية ورشدها، خاصة وأن الرئيس السيسي تجنّب محاولات نيتنياهو لجرّ مصر إلى معركته الخاسرة، وأضاف أن مصر قادرة على الردع ولكنها فضّلت الصبر وإعطاء مساحة للحوار والمفاوضات والدبلوماسية، وهو ما مكّنها من الانتصار للحق الفلسطيني بأساليب أخرى، انعكست في اعتراف غالبية دول العالم بحقوق الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها زيارة الرئيس الفرنسي للقاهرة والعريش، والتي وصفها بأنها ستظل تاريخية، حيث أظهرت قدرة القيادة المصرية على توظيف أدواتها كافة، وفي مقدمتها العلاقات السياسية المتميزة مع فرنسا.
وأوضح أن من الجوانب المهمة كذلك أن عملية صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية تضع في اعتبارها الوزن الأوروبي، وهنا نجح الرئيس السيسي في تغيير المشهد السياسي، إذ إن القضية الفلسطينية بالنسبة لأوروبا تُعد قضية رأي عام ضاغط، وأشار إلى أن نجاح مصر في هذا الإطار أثبت أن القضية الفلسطينية ليست مجرد قضية سياسية، بل قضية شعب متمسك بأرضه وبحقه في إقامة دولته المستقلة، وهو ما عزز مكانة الدور المصري كفاعل رئيسي في المنطقة لا يمكن تجاوزه.