حين ارتفع صوتها في قاعة دار الأوبرا المصرية عام 1964 بأداء مؤثر لأوبرا لا ترافياتا، لم يكن أحد يدرك أن ذلك اليوم سيُسجَّل في التاريخ الفني المصري كعلامة فارقة. كانت نبيلة عريان، أول سوبرانو مصرية تخوض هذا الدور العالمي، تمثل بداية جيل جديد من الفنانات اللاتي حملن الفن الأوبرالي المصري إلى العالم بثقة واقتدار.
ولدت نبيلة عريان وتلقت تعليمها في مدرسة الكلية الإرسالية الإنجليزية، قبل أن تلتحق في عام 1958 بأول دفعة في المعهد العالي للموسيقى (الكونسرفتوار)، لتبدأ رحلة استثنائية في عالم الغناء الأوبرالي.
وفي عام 1964، صنعت عريان التاريخ حين أصبحت أول مصرية تؤدي دور “فيوليتا” في أوبرا “لا ترافياتا” على خشبة دار الأوبرا المصرية القديمة — قبل احتراقها في عام 1971. لم يكن إنجازها مجرد أداء فني، بل كان حدثًا ثقافيًا كبيرًا، إذ أدّت الدور باللغة العربية بإتقان لافت أثار إعجاب النقاد والجمهور على حد سواء، خاصة لصعوبة نقل الأوبرا الإيطالية إلى العربية مع الحفاظ على جمالها الموسيقي.
واصلت ال سوبرانو المصرية الشابة عروضها لمدة شهر كامل في ذلك العام، واستمرت تقدم عروضًا موسمية طوال عشرين عامًا متتالية، لتصبح رمزًا من رموز الإبداع الأوبرالي في مصر والعالم العربي.
وبعد احتراق دار الأوبرا القديمة، لم تتوقف عريان عن العطاء؛ فقد واصلت تقديم عروضها في قاعة إيوارت التذكارية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، في مناسبات مختلفة، حتى افتتاح دار الأوبرا الجديدة عام 1988.
لم تكتفِ عريان بالغناء فقط، بل اتجهت إلى البحث الأكاديمي، حيث نالت درجة الدكتوراه من جامعة ميريلاند الأمريكية، وخصصت أطروحتها لدراسة الموسيقى القبطية في مصر، في إنجاز علمي وفني نادر جمع بين الفن والتراث والبحث العلمي.
بدأت مسيرتها المهنية في الأوبرا عام 1960، وشاركت في جولات دولية عديدة، مثّلت خلالها مصر في كبرى المحافل الفنية العالمية، مقدّمةً عروضًا نالت تقدير النقاد والجماهير في أكثر من دولة.
نال أداؤها المتميز تقدير الدولة المصرية، حيث كرمها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في عيد العلم عام 1964، بعد أشهر قليلة من أدائها اللافت في “لا ترافياتا”، اعترافًا بموهبتها ودورها الريادي في الفن الأوبرالي.
عملت بعد ذلك أستاذة للعلوم الصوتية في المعهد العالي للموسيقى التابع لأكاديمية الفنون، وأسهمت في تخريج أجيال جديدة من المغنين والموسيقيين. وحتى بعد تقاعدها، واصلت الإشراف على طلاب الدراسات العليا، محافظةً على حضورها الأكاديمي والفني الدائم.
نبيلة عريان لم تكن مجرد صوت جميل، بل كانت جسرًا بين الشرق والغرب، حملت من خلاله الموسيقى المصرية إلى المسارح العالمية. وبأدائها الفريد وصدقها الفني، أصبحت رمزًا خالدًا في ذاكرة الأوبرا المصرية، وصوتًا لن يختفي من سجل التاريخ الفني.