لم تكن "منى" تتخيل يومًا أن حياتها الهادئة، المليئة بتفاصيل الأمومة البسيطة، ستنقلب رأسًا على عقب بسبب مرض لم يخطر ببالها. لكنها، ورغم كل ما مرت به، اختارت أن تواجه لا أن تنهزم، لتتحول قصتها من حكاية ألم إلى ملحمة أمل تلهم كل امرأة تمر بتجربة مشابهة.
البداية.. ألم صغير غيّر كل شيء
كانت منى زوجة وأمًّا لطفلة صغيرة، تعيش حياة عادية تمتلئ بمسؤوليات المنزل وانتظار زوجها الضابط الذي يغيب كثيرًا بسبب طبيعة عمله.
وفي خضم هذا الروتين، بدأت تشعر بألم بسيط في صدرها أثناء فترة الرضاعة، ظنّته تعبًا عابرًا. لكن الألم ازداد حتى صار لا يُحتمل.
تقول منى: "لم يخطر ببالي أن يكون السرطان قريبًا مني.. كنت أظن أنه يصيب الآخرين فقط."
توجهت للطبيب، فجاء التشخيص الأول صادمًا في خطئه. اعتقد الأطباء أنها تعاني من خُراج بسيط، فأُجريت لها عملية جراحية بلا فحوص دقيقة. لكن النتيجة كانت كارثية: تأخر اكتشاف سرطان الثدي، ودخلت بعدها رحلة طويلة من العلاج والمعاناة.
المرض لا يعني النهاية
تقول منى بابتسامة هادئة رغم الذكريات المؤلمة: "لم أخف من الموت.. كنت مؤمنة أن السرطان مرض كباقي الأمراض، لكنه امتحان طويل يحتاج صبرًا وإيمانًا."
في كل جلسة علاج كيماوي، كانت تتمسك بالأمل أكثر، وتكتشف في داخلها قوة لم تعرفها من قبل. تعلمت كيف تبتسم رغم الألم، وكيف تحتفل بالانتصارات الصغيرة، من جلسة تمر بسلام إلى يوم جديد تستيقظ فيه مبتسمة لابنتها.
سند لا يتزعزع
لم تخض منى المعركة وحدها، فقد كان لزوجها دور البطولة في دعمها. ورغم بعده في البداية بسبب العمل، قرر أن يكون بجانبها خطوة بخطوة.
تحكي منى بابتسامة ممزوجة بالامتنان: "في يوم من الأيام، حلق زوجي شعره بالكامل، ثم قص شعر ابنتنا الصغيرة، وقال لي: إحنا عيلة قرع.. كلنا معاكي."
كانت تلك اللحظة نقطة تحول. لم تعد ترى نفسها مريضة، بل محاربة في معركة جماعية، عائلتها كلها فيها على الجبهة نفسها.
يقول زوجها عنها: "كانت قوية حتى وهي تتألم. كانت تزرع فينا الأمل ونحن نحاول أن نمنحه لها."
السرطان.. باب جديد للحياة
مع مرور الوقت، لم يعد المرض عدوًّا، بل صار معلّمًا.
تقول منى: " السرطان علّمني أعيش الحياة بصدق. اكتشفت أن الجمال مش في الشعر أو الشكل، الجمال في الصبر والقوة اللي جوانا."
خلال رحلة العلاج، لم تكن غرف المستشفى فقط مكانًا للألم، بل امتلأت بالضحك والذكريات والمواقف المليئة بالعزيمة.
مرت السنوات، وتعافت منى، واستعادت حياتها. واليوم، بعد أكثر من 22 عامًا على المعركة، تتحدث عنها بابتسامة المنتصرة لا الناجية. "ابنتي كبرت وتخرجت من الجامعة، وأنا ما زلت هنا.. أعيش وأحمد ربنا على كل لحظة."
رسالة من قلب محاربة
تختم منى قصتها برسالة تمتلئ بالقوة والحنان: "لا تتركي المرض يسرق حياتك. قاومي، وابتسمي، واستندي على اللي بيحبوكي. السرطان مش نهاية.. أوقات بيكون بداية جديدة لأجمل نسخة منك."
قصة منى ليست مجرد تجربة مرضية، بل شهادة حيّة على أن الإيمان يصنع المعجزات، وأن الأمل قد يولد من أكثر اللحظات وجعًا.
هي اليوم لا تُعرف بأنها مريضة سابقة، بل امرأة انتصرت على السرطان، وعلى الخوف، وعلى اليأس.