في ذكرى رحيله.. محمود ياسين.. "صوت الحنين" الذي لم يغب

في ذكرى رحيله.. محمود ياسين.. "صوت الحنين" الذي لم يغبالفنان محمود ياسين

فنون14-10-2025 | 19:09

14 أكتوبر.. تاريخ محفور في ذاكرة عشاق الفن المصري، فهو اليوم الذي ودّع فيه الوسط الفني واحدًا من أنبل وأرقّ الفنانين الذين مرّوا في تاريخ السينما والمسرح المصري محمود ياسين.

خمس سنوات مرت على الرحيل، وما زال صدى صوته الرخيم وكلماته المتزنة يلامس القلب كلما عُرض مشهد من أفلامه أو صدحت عباراته في أحد الأعمال الوطنية الخالدة.

* البداية من بورسعيد.. والوجه الحالم بالعدالة والفن

وُلد محمود ياسين في 2 يونيو 1941 بمدينة بورسعيد، وسط أسرة بسيطة تعمل في هيئة قناة السويس.
منذ طفولته، كان يحمل ملامح الحلم المصري الأصيل: وجه هادئ، نظرة حالمة، وصوت يحمل رصانة من يبحث عن معنى.
عشق المسرح مبكرًا، ورغم دراسته في كلية الحقوق بجامعة عين شمس وتخرجه عام 1964، فإن قلبه اختار طريقًا آخر، طريق الخشبة والأضواء والكلمة.

رفض التعيين الحكومي الذي جاءه في بورسعيد، وتمسك بحلمه كممثل، ليبدأ رحلته مع المسرح القومي، الذي اعتبره بيته الأول والأب الروحي الذي صقل موهبته.

* من خشبة المسرح إلى شاشة الخلود

لم يكن دخوله إلى السينما سهلًا، فقد بدأ بأدوار صغيرة في أفلام مثل "الرجل الذي فقد ظله" و"شيء من الخوف"، لكنه سرعان ما كسب ثقة المخرجين الكبار ليصبح بطلًا في فيلم "نحن لا نزرع الشوك" أمام شادية، ومن بعدها صار نجمًا لامعًا، يُلقّب بـ "فتى الشاشة الأول" في السبعينيات.

شارك في أكثر من 150 فيلمًا، شكّلت ملامح جيلٍ كامل من عشاق الرومانسية والدراما الهادفة.
من "الخيط الرفيع" و"أنف وثلاث عيون" إلى "أفواه وأرانب" و"الرصاصة لا تزال في جيبي"، ظل محمود ياسين نجمًا من طرازٍ خاص؛ ممثلًا يجمع بين الوقار والصدق، والعاطفة والفكر.

وفي عمر متقدّم، عاد ليظهر في فيلم "الجزيرة" مع أحمد السقا، مجسدًا شخصية الأب الحكيم الذي يرمز إلى جيل القيم القديمة في زمن التحولات.

* وجه الدراما العربية الهادئ

على شاشة التلفزيون، صار محمود ياسين أحد أبرز نجوم المسلسلات العربية ذات الطابع الاجتماعي والديني.
قدّم أعمالًا خالدة مثل "أبو حنيفة النعمان"، و"سوق العصر"، و"العصيان".
كان يحسن انتقاء أدواره بعناية، مؤمنًا بأن الممثل مسؤول أمام جمهوره كما القاضي أمام قضيته.

وكان صوته — بقدر ما هو رخيم — يحمل جلال اللغة العربية، ما جعله يشارك بالتعليق الصوتي في كثير من المناسبات الوطنية والأفلام التسجيلية.

* حياة هادئة.. وحب لا يشيخ

في حياته الخاصة، جمعه الحب بالفنانة شهيرة، التي كانت زميلته في الوسط الفني وشريكة مشواره الطويل.
أنجبا عمرو ورانيا، وكلاهما سار على خُطى الأب في عالم الفن.
كانت قصة حبهما من القصص القليلة التي صمدت أمام ضوء الشهرة وضجيج الأضواء، فكانا نموذجًا لزواجٍ إنساني قائم على الاحترام والمودة.

* آخر الأيام.. ورحيل هادئ

في سنواته الأخيرة، ابتعد محمود ياسين عن الكاميرات بعد رحلة امتدت لأكثر من 45 عامًا، عانى خلالها من المرض، لكن حضوره ظل طاغيًا في الذاكرة.
ورغم ما تردّد عن إصابته بمرض الزهايمر، فإن أسرته أكدت أنه ظلّ محتفظًا بوعيه وذاكرته حتى اللحظات الأخيرة.

وفي 14 أكتوبر 2020، أُسدل الستار على حياة فنانٍ عاش للفن، ومات وهو محاط بحب أسرته وجمهوره.
رحل الجسد، وبقي الصوت والصورة والذكرى.

* إرث لا يُمحى

نال محمود ياسين أكثر من 50 جائزة من مهرجانات مصرية وعربية وعالمية، منها:

جائزة الدولة عن أفلامه الحربية عام 1975

جائزة أحسن ممثل في مهرجان التلفزيون عامي 2001 و2002

وسام الأمم المتحدة عام 2005 بعد اختياره سفيرًا للنوايا الحسنة لمكافحة الفقر والجوع

لكن الجائزة الأهم في حياته — كما كان يقول دائمًا — كانت حب الجمهور واحترامهم له، ذلك الحب الذي لم يفارقه حتى بعد الرحيل.

* صوته المميز

كان محمود ياسين أكثر من مجرد ممثل.
كان ضميرًا فنيًا لجيلٍ آمن أن الفن رسالة، وأن الأداء الصادق يمكن أن يغيّر قلوب الناس.
رحل من بيننا، لكن ملامحه الهادئة وصوته الذي يشبه تلاوة الشعر ما زالا يعيدان إلى الأذهان زمن الفن الجميل… زمن كان فيه الممثل مرآة لروح الوطن.

أضف تعليق

بيان النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان