في مثل هذا اليوم، 17 أكتوبر، ترحل بنا الذاكرة إلى واحد من أكثر المبدعين تفردًا في تاريخ الفن المصري، الفنان الذي جمع بين التلحين والتمثيل والغناء والابتكار، منير مراد.. أو كما أحب أن يسميه النقاد "الولد الشقي للموسيقى المصرية".
هو ليس مجرد شقيق ليلى مراد، ولا مجرد ملحن صنع دويتوهات خالدة مع شادية وعبد الحليم حافظ، بل حالة موسيقية نادرة سبقت زمنها، وعاشت تحارب ثقل الكلاسيكية بابتسامة الجاز وخفة الإيقاع.
*ابن بيت الفن.. ونقطة البداية من الكلاكيت
وُلد موريس زكي مراد في 13 يناير 1922 لأسرة فنية من طراز خاص، فوالده المطرب والملحن زكي مراد، وشقيقته الكبرى هي المطربة الشهيرة ليلى مراد.
لكن رغم هذا الإرث الفني، لم يكن الطريق أمامه مفروشًا بالورود. بدأ حياته بعيدًا عن الأضواء، يعمل كعامل كلاكيت في أحد الاستديوهات، ثم مساعد مخرج في أفلام الأربعينيات، يتعلم من الكواليس أسرار الصورة والإيقاع.
كانت روحه ثائرة تبحث عن التجديد، فشعر أن الألحان التقليدية لا تعبّر عن الشباب ولا عن الحركة المتسارعة في الشارع المصري الجديد، فقرر أن يُحدث صدمة موسيقية... وأحدثها فعلًا.
*ثورة في الإيقاع.. وابتسامة في اللحن
جاءت بدايته الحقيقية مع أغنية "واحد.. اتنين" للمطربة شادية، والتي فتحت أمامه أبواب المجد. ومن بعدها أصبح الاسم الأكثر طلبًا في السينما الغنائية، بعد أن قدم لونًا جديدًا من الموسيقى المبهجة الراقصة، فيها نبض الشارع وحيوية الحياة.
كان منير مراد أول من أدخل موسيقى الجاز والإيقاعات الغربية إلى الألحان المصرية دون أن يفقدها روحها الشرقية.
ألحانه كانت مثل شخصيته: مرحة، مليئة بالطاقة، فيها بساطة الفرح وعمق الحزن.
ومن بين أجمل ما قدم:
- حاجة غريبة – عبد الحليم حافظ وشادية
- وحياة قلبي وأفراحه – عبد الحليم حافظ
- إن راح منك يا عين – شادية
- قاضي البلاج – عبد الحليم حافظ
- يا دبلة الخطوبة – شادية
وغيرها من الأغاني التي ما زالت تُغنّى حتى اليوم في الأفراح، وكأنها خُلقت لتبقى.
*الممثل الذي غنى بوجهه
لم يكتفِ منير مراد بالتلحين، بل خاض تجربة التمثيل أيضًا، فقدم أفلامًا منها:
-أنا وحبيبي (1953)
-نهارك سعيد (1955)
-موعد مع إبليس
كان يرى أن التمثيل جزء من الموسيقى، وأن الحركة على الشاشة تشبه النوتة على الورق، وكأنه كان يسمع الصورة قبل أن يراها.
*الحب الذي غيّر الدين
وراء كل عبقري قصة حب تصنع التحول في حياته، وكانت قصة منير مراد و سهير البابلي واحدة من أشهر قصص الحب في الوسط الفني.
وقع في حبها حتى قرر أن يغيّر ديانته من اليهودية إلى الإسلام عام 1958 ليتزوجها.
عاشا معًا تسع سنوات من الحب والاحترام، وظلت سهير البابلي تقول بعد وفاته:
" منير مراد لم يكن مجرد زوج، كان إنسانًا لا يتكرر."
*الرحيل المفاجئ
في 17 أكتوبر 1981، رحل منير مراد عن عمر ناهز 59 عامًا إثر أزمة قلبية مفاجئة.
رحل في صمت، تاركًا خلفه ما يزيد عن 3000 لحن و150 فيلمًا شارك في إخراجها أو وضع موسيقاها.
ودُفن بالقرب من صديقه العندليب عبد الحليم حافظ، وكأن القدر جمع بين رفيقي الغناء حتى في الوداع الأخير.
رحل منير مراد جسدًا، لكن موسيقاه لم ترحل.
ما زالت ألحانه تدق القلوب كلما سمعناها، وكأنها تبتسم لنا من زمن الأبيض والأسود.
هو الفنان الذي علّمنا أن الفرح يمكن أن يكون فنًا، وأن الإيقاع حياة، وأن البساطة حين تمتزج بالموهبة تصنع الخلود.