كان الهدف من عقد مؤتمر مدريد للسلام 1991 هو احتواء انتفاضة "أطفال الحجارة" الفلسطينية، واحتواء التأثير المتزايد لجيل جديد من المقاومين الفلسطينيين لم يكن مرتبطًا بالقيادات التاريخية لمنظمة فتح، ورأت إسرائيل واليهودية العالمية في هذه الانتفاضة تهديدًا وجوديًا للكيان الصهيوني، فتحركت لوأدها، من خلال أحياء أدوار جيل ياسر عرفات وقيادات فتح وتقييد حركتهم عبر الاعتراف بهم كممثلين شرعيين للفلسطينيين ومنحهم سلطة الأمن والمحليات علي أجزاء من الضفة الغربية ، وجاء ذلك كأحد مخرجات مؤتمر مدريد، كما تم جرهم إلي مسار سياسي بإدخالهم في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في إطار ما وُصف آنذاك بأنه مسار يُفضي إلي إقامة دولة فلسطينية، ومع وصول بنيامين نتنياهو - الزعيم الليكودي المتطرف - للحكم في إسرائيل لأول مرة 1996، توقفت بأمر منه المفاوضات المباشرة مع السلطة الفلسطينية، لكن استمرت المفاوضات الموازية عبر قنوات سرية عُرفت بالخلوات.
ومن بين اللجان الخمس التي أُنشئت خلال هذه المفاوضات لم تنشط فعليًا سوي لجنة الاقتصاد التي ضمت رجال أعمال من دول عربية وأجنبية، وتم تسهيل شراكات اقتصادية ومنح امتيازات لرجال الأعمال العرب مقابل أدوار لاحقة في مجالات مثل التطبيع الشعبي، وتحرير الإعلام أو قل نزعه من يد الدولة لصالح مؤسسات إعلامية مستقلة (استثمارية) أصدرت لاحقا صحف مثل "المصري اليوم" وأنشئت فضائيات مثل "دريم"، وفي ذات الوقت ضخت تمويلات هائلة لتنشيط المجتمع المدني، وتولي نشطائه العمل علي "مشاريع" تعكس فكر "الليبرالية الجديدة"، واقتحمت ذات المجال مؤسسات أجنبية مثل المعهدين الديمقراطي والجمهوري الأمريكيين وعملت دون ترخيص ورغم أنف الدولة.
ساهم هذا الحراك في تمهيد الطريق لما عرف بثورات "الربيع العربي"، التي منحت تنظيمات الإخوان الأكثر جاهزية في مصر وعدد من البلاد العربية السلطة بعد فراغها مع تقدير حتمية دخولهم في صراع مع قوي اليمين واليسار الليبرالي الذي يفضي إلي الانقسام والفوضي كمرحلة لتفتيت الدولة، وفي هذا السياق انشغل العرب بأزماتهم الداخلية علي حساب القضية الفلسطينية التي تراجع أيضا الاهتمام بها في دوائر الإدارات الأمريكية الديمقراطية بخاصة لحساب المصالح الجيوسياسية لأمريكا في أوراسيا ومناطق أخري من العالم، وجاء وصول ترامب الجمهوري لحكم أمريكا في ولايته الأولي ليدشن شكل جديد لإدارة الصراع في الشرق الأوسط ، يسعي من خلاله لتحقيق أكبر قدر من المكاسب لبلاده و إسرائيل دون اللجوء إلي القوة العسكرية، وفي الوقت الذي كان يغازل فيه ترامب - المناور المقامر - العرب قام بتنفيذ قرار الكونجرس بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلي القدس، كما سعي لعقد "اتفاقات إبراهام"، هذه الفكرة الجهنمية التي تسعي إلي سهولة الاختراق - عبر التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي - مع العرب الخلايجة، وتوسيع نفوذ إسرائيل، ومضي يتعامل مع العرب عن قناعة تري في ثرواتهم حقا لبلاده حيث تم تحصيلها من خلال رفع أسعار النفط، وبينما كان يمضي قطار التطبيع يحيد الدول العربية في الصراع العسكري ضد إسرائيل، كان المشهد يتطور في جانب المقاومة الفلسطينية، لتتفجر فجأة أحداث 7 أكتوبر 2023، التي نفذتها حماس وفصائل فلسطينية أخري، والتي جلبت الحرب المدمرة علي غزة خلال العامين الماضيين.