يأتي اتفاق السلام فى "شرم الشيخ" ثمرة جهود دبلوماسية مصرية امتدت على مدى شهور من المفاوضات الدقيقة، جسدت خلالها القاهرة قدرتها على الجمع بين الأطراف المتنازعة وصياغة رؤية واقعية تحفظ مصالح الجميع، وبينما تتجه الأنظار إلى بنود الاتفاق وتفاصيله الدقيقة، تتكشف ملامح تسوية متوازنة تهدف إلى إنهاء صراعات مزمنة، وتدشين مرحلة من التعاون والتنمية الإقليمية.
من هنا جاء تحليل بنود اتفاق شرم الشيخ يكشف عن رؤية شاملة تتجاوز وقف النزاعات إلى بناء مستقبل من الثقة المتبادلة، كما يعكس الحنكة المصرية فى إدارة الملفات الشائكة وصياغة حلول تحقق السلام دون التفريط فى الثوابت الوطنية، فمصر لم تكن مجرد وسيط، بل مهندس التفاهمات وضامن استمراريتها، بما يعزز مكانتها كقلب القرار السياسي فى المنطقة .. فى السطور التالية يجيب خبراء عن سؤال يدور فى أذهان الجميع وهو ماذا بعد توقيع اتفاقية شرم الشيخ للسلام ؟.
قال د. طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، إن قمة شرم الشيخ للسلام خطوة محورية سيتم البناء عليها فى المرحلة المقبلة، سواء فيما يتعلق بملف غزة أو بأمن واستقرار الإقليم بشكل عام، فحضور قادة وزعماء العالم لهذه القمة، وفى مقدمتهم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب ، يعكس أنها قمة للسلام فى المنطقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهي فى جوهرها رسالة سلام من أرض السلام، مدينة شرم الشيخ، تُبرز الدور والمكانة التي تتمتع بها مصر إقليمياً ودولياً، بعد أن تحملت عبئاً كبيراً فى إدارة الملف الفلسطيني خلال الفترات الماضية.
ويشير د. فهمي إلى أن القاهرة اليوم هي من تحدد بوصلة اتجاه الأوضاع فى غزة والمنطقة ككل، مما يدعو للتفاؤل بالمستقبل، لأن المرحلة الأولى من الاتفاق تمثل الأساس لبناء الثقة بين الأطراف المختلفة، خاصة أن مصر تمتلك خبرة عميقة فى ملف القضية الفلسطينية، وما رأيناه فى القمة هو ترجمة عملية لما هو قادم، فالتاريخ يُظهر أن إسرائيل كثيراً ما كانت تتنصل من التزاماتها، ومع ذلك فإن هذه الخطوة الأولى تُعد بالغة الأهمية، كما أن وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فى القمة سيفتح الباب أمام مناقشة عدد من القضايا المسكوت عنها، إذ تتحرك الولايات المتحدة حالياً بقدرة كبيرة، بينما تسعى الدول العربية إلى تعزيز الثقة فى الدور الأمريكي بعد أن كانت تلك الثقة قد اهتزت فى مراحل سابقة، لكن المواقف تغيرت لأن الإدارة الأمريكية تسعى اليوم إلى إحداث توازن فى علاقاتها بين الغرب والمنطقة.
ويتابع د. فهمي: إن المرحلة التالية لتنفيذ الاتفاق تشمل تسليم المحتجزين والأسرى، أما المرحلة الثانية المقرر تنفيذها خلال الأسبوع الجاري تتناول قضية تجميد سلاح حركة حماس تمهيداً لتسليمه إلى السلطة الفلسطينية الشرعية، إضافة إلى وضع آلية واضحة لإدارة قطاع غزة، فمصر تسعى إلى تحصين الاتفاق من خلال وجود قوة دولية، وذلك عبر الحصول على قرار أممي ينظم تشكيل هذه القوة من حيث طبيعتها ومناطق انتشارها، كما تخطط القاهرة إلى الدعوة لعقد مؤتمر دولي لإعمار غزة فى نوفمبر المقبل، تشارك فيه الدول المانحة والدول الأوروبية والمنظمات الدولية، والتي تشترط ألا يكون لحركة حماس أي وجود فى غزة، سواء على مستوى المقاومة أو فى مؤسسات التعليم والإدارة والأمن، وذلك خوفاً من اندلاع حرب أهلية داخل القطاع، خصوصاً فى مناطق خان يونس والشمال، وهي نقاط ترى إسرائيل أنها قابلة للاشتعال مجدداً.
ويضيف أستاذ العلوم السياسية أنه من الوارد وجود أطراف من الجانبين تسعى لإفشال الاتفاق، لذلك يجب التنبه إلى أن بعض البنود قد تواجه عراقيل، ومع ذلك، فإن ما شهدناه فى شرم الشيخ يؤكد أن مصر وضعت المجتمع الدولي أمام مسئولياته عبر هذا الحشد الكبير من القادة والزعماء، وهو إنجاز تاريخي يعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية بعد سنوات من التراجع.
ويرى أن على الفلسطينيين الآن تجديد شرعية السلطة الفلسطينية، فكل الشرعيات فى الساحة الفلسطينية منقوصة، والدستور وحده لا يكفي، بل يجب تقديم سلطة فلسطينية موحدة تحظى بتقدير دولي من خلال توحيد الصف الفلسطيني وإنهاء الانقسامات.
ويختتم فهمي حديثه: أؤكد أن مستقبل حركة حماس يشهد تحولاً نوعياً، إذ يبدو أننا أمام حماس جديدة، يعاد فيها توازن القوى بين الجيل القديم والجيل الجديد داخل الحركة، فهناك حالة حراك داخلي تسعى إلى تحويل الحركة إلى حزب سياسي مع بقاء جناحها المقاوم كرمز للمقاومة الوطنية، وهو ما يمثل إعادة تقديم حماس بصيغة مختلفة، بما يخدم وحدة التراب الفلسطيني ويعزز فرص الاستقرار، خاصة فى ظل ما تشهده الضفة الغربية من تطورات متسارعة.
من جانبه، أكد د. حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، أن مشهد قمة شرم الشيخ للسلام حدث تاريخي يجسد شعور الفخر لكل مصري، فما شهدته مصر من حضور عالمي رفيع المستوى يعكس عظمة الدولة المصرية ومكانتها القيادية على الساحة الدولية، فمؤتمر شرم الشيخ للسلام لم يكن مجرد فعالية سياسية، بل كان لحظة وطنية فارقة يشعر فيها كل مصري بالفخر والانتماء، بعدما أصبحت بلاده منصة للحوار وبوابة للسلام فى منطقة لطالما عانت من النزاعات والصراعات على مدى عقود.
وأضاف أن المشهد الذي رآه العالم للرئيس عبد الفتاح السيسي وهو يتحدث وخلفه قادة وزعماء العالم، وفى مقدمتهم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، يحمل دلالة عميقة وواضحة على أن مصر أصبحت الركيزة الأساسية للاستقرار الإقليمي، وأن دورها فى قضايا الشرق الأوسط بات محوريًا لا يمكن تجاوزه أو الاستغناء عنه.
وأضاف أن الذين شككوا فى السنوات الماضية فى تراجع الدور المصري عليهم اليوم أن يُدركوا أن القاهرة هي التي ترسم وتُعيد صياغة قواعد اللعبة السياسية فى المنطقة، مستندة فى ذلك إلى رؤيتها المتزنة، وقدرتها على تحقيق التوازن فى علاقاتها مع القوى الدولية، مما جعلها مركز الثقل وصاحبة الكلمة المسموعة فى محيطها الإقليمي والدولي.