يأتي اتفاق السلام فى "شرم الشيخ" ثمرة جهود دبلوماسية مصرية امتدت على مدى شهور من المفاوضات الدقيقة، جسدت خلالها القاهرة قدرتها على الجمع بين الأطراف المتنازعة وصياغة رؤية واقعية تحفظ مصالح الجميع، وبينما تتجه الأنظار إلى بنود الاتفاق وتفاصيله الدقيقة، تتكشف ملامح تسوية متوازنة تهدف إلى إنهاء صراعات مزمنة، وتدشين مرحلة من التعاون والتنمية الإقليمية.
قال عدد من السياسيين والدبلوماسيين العرب لـ"أكتوبر" إن قمة السلام التي عُقدت ب شرم الشيخ تحت رعاية مصر و الولايات المتحدة تمثل خطوة مهمة فى مسار القضية الفلسطينية، خاصة أنها أقرت وقف نزيف الدم الفلسطيني وعالجت بالأساس القضايا الأولية و وقف إطلاق النار ، وملف الأسرى والمساعدات الإنسانية والانسحاب الإسرائيلي.
أكد الكاتب ثائر أبو عطيوي، مدير مركز العرب للأبحاث والدراسات فى فلسطين، أن قمة شرم الشيخ للسلام شكلت محطة مفصلية فى مسار التسوية السياسية للأزمة فى غزة، موضحًا أن أبرز وأهم التوصيات التي خرجت بها القمة تتعلق بمواصلة تنفيذ ما تبقّى من البنود العشرين فى خطة ترامب للسلام.
وأوضح أن المرحلة الأولى من الخطة تركز على إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية والصحية واللوجستية بشكل عاجل لتلبية احتياجات سكان قطاع غزة، إلى جانب رفع الحصار الإسرائيلي وفتح المعابر وتسهيل حركة البضائع والسفر للمواطنين، تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة التنفيذ عبر اللجنة الإدارية المؤقتة التي ستتولى إدارة شئون القطاع بشكل إنساني وإغاثي وخدماتي، بهدف استعادة الحياة الطبيعية للمواطنين وتهيئة الأجواء للانطلاق نحو مرحلة الإعمار والبناء ضمن مشروع عربي ودولي مشترك.
وأشار إلى أن جامعة الدول العربية ستضطلع بدور محوري فى المرحلة المقبلة من خلال استثمار مخرجات قمة شرم الشيخ لبناء تحرك عربي موحد دعماً لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، عبر تشكيل لجنة عربية موحدة تكون مظلتها الجامعة العربية ومرجعيتها جميع الدول العربية، وذلك فى إطار طرح مشروع سلام عربي جديد يقوم على حل الدولتين، ويُقدَّم للمجتمع الدولي لنيل التأييد والحشد والمناصرة، بما يضمن إطلاق عملية مفاوضات سلام محددة زمنياً تقود نحو تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة.
وأضاف أبو عطيوي أن قمة شرم الشيخ تضمنت آليات تنفيذ واضحة استنادًا إلى مخرجاتها المعتمدة، إذ تم الاتفاق على إنهاء الحرب بشكل دائم ونهائي وتهيئة الأجواء لاستعادة الهدوء والاستقرار فى قطاع غزة ، مشيراً إلى أن الدول الأربعة الضامنة للاتفاق وهي " مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة" تُمثل ضمانة حقيقية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بعيدًا عن أي عراقيل.
وبيّن أن التجاوب الدولي الواسع مع القمة الذي تجسد فى مشاركة قادة دول عربية وعالمية وشخصيات دبلوماسية بارزة، يعكس دعماً واضحاً للدور المصري وجهود الوسطاء، وهو ما يمنح دفعة قوية لتنفيذ مخرجات القمة وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع فى غزة.
وثمن الكاتب والسياسي الفلسطيني ناصر عطا الله، جهود مصر فى وقف إطلاق النار وتوقيع وثيقة غزة فى مؤتمر شرم الشيخ للسلام، لافتا إلى أن هذا المؤتمر كان ثمرة المساعي المصرية منذ بداية الأزمة إذ بذلت مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي جهودا كبيرة على كل الأصعدة السياسية والدبلوماسية والإغاثية، مؤكدا أنه لولا دور مصر ما وصلت القضية إلى المرحلة الراهنة التي تشهد تقدما كبيرا فى مسار السلام.
ومن جانبه أكد الباحث فى الإعلام محمد سعد الدين خُليف ، أن قمة شرم الشيخ تؤكد ريادة مصر وصناعة النصر الدبلوماسي من أرض السلام، مؤكدا أن قمة شرم الشيخ جاءت لتجسد من جديد قوة الدولة المصرية وريادتها الدبلوماسية، مشيرًا إلى أن انعقاد القمة على أرض مصر هو نصر سياسي ودبلوماسي جديد يضاف إلى سجل إنجازات القيادة المصرية الحكيمة.
وأوضح أن الرئيس عبد الفتاح السيسي استطاع أن يجعل من مصر منبرًا للحوار الدولي وركيزة للاستقرار الإقليمي والعالمي، بفضل سياسته المتوازنة ورؤيته الاستراتيجية التي تقوم على السلام، والتنمية، والتعاون بين الشعوب.
وأضاف أن نجاح مصر فى استضافة وتنظيم هذا الحدث العالمي يؤكد أن شرم الشيخ أصبحت عنوانًا للدبلوماسية المصرية الناجحة، ومركزًا عالميًا يجتمع فيه القادة وصنّاع القرار من أجل مستقبل أكثر استقرارًا وعدلاً.
وأشار خُليف إلى أن الدبلوماسية المصرية أثبتت للعالم أن صوتها هو صوت العقل والمسئولية، وأنها قادرة على إدارة الأزمات بالحكمة لا بالصدام، وبالقوة الهادئة لا بالشعارات.
فى سياق متصل، أكد السفير حسام زكي، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، أن الجامعة تأمل فى تنفيذ خطة ترامب تنفيذاً دقيقاً بما يضمن وقف الحرب الدائرة فى غزة ووضع حد للمعاناة الإنسانية المتزايدة هناك.
وأضاف أن الجامعة تثمن الدور المصري البارز فى إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، مشيراً إلى أن الجهود المصرية والعربية مستمرة للوصول إلى نهاية كاملة للحرب وتحقيق التهدئة الشاملة.
كما لفت زكي إلى أن اعتراف نحو 160 دولة بدولة فلسطين يعكس رغبة المجتمع الدولي الواضحة فى رؤية دولة فلسطينية مستقلة تعيش بسلام وأمن إلى جانب إسرائيل، مؤكداً أن القضية الفلسطينية تظل جوهر الصراع فى الشرق الأوسط ولا يمكن تحقيق الاستقرار الإقليمي من دون حل عادل وشامل.