جددت الأزمة بين باكستان و أفغانستان .. طالبان «تشعل» صراع «الجار اللدود»!

جددت الأزمة بين باكستان و أفغانستان .. طالبان «تشعل» صراع «الجار اللدود»!الأزمة بين باكستان و أفغانستان

حوارات وتحقيقات19-10-2025 | 16:29

فى ظل سياق تاريخى طويل من التوترات الحدودية، لم تكن الاشتباكات التى اندلعت بين القوات الأفغانية والباكستانية مؤخرًا الأولى من نوعها، وقد لا تكون الأخيرة، إذ تعكس هذه الاشتباكات تراكمات سياسية وأمنية طويلة بين الجانبين.

واندلعت المواجهة الأخيرة عقب إعلان حركة طالبان باكستان مسئوليتها عن هجمات متزامنة استهدفت قوات الأمن الباكستانية فى إقليم خيبر بختونخوا الحدودى مع أفغانستان، وأسفرت عن مقتل 23 شخصا، بينهم 20 عنصرا أمنيًا و3 مدنيين، الأمر الذى ردت عليه إسلام آباد فى اليوم التالى مباشرة، حيث شنت القوات الباكستانية هجومًا عنيفًا على عدد من الولايات الأفغانية، شملت إلى جانب العاصمة كابول، ولايات خوست وبكتيا وكنر وهلمند، وأسفرت عن سقوط العديد من القتلى والمصابين، وتدمير بعض المناطق.

وفى وقت متأخر من اليوم ذاته، ردت القوات الأفغانية بهجمات انتقامية منسقة على عدد من المواقع الحدودية، حيث تمكنت من السيطرة على ما لا يقل عن 5 نقاط حدودية تابعة للجيش الباكستانى فى ولايات بكتيا وهلمند وزابل، إضافة إلى تدمير عدد من الآليات والمعدات العسكرية، وطبقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن القوات المسلحة لدى البلدين، أسفرت المواجهات عن مقتل
58 جنديًا، وإصابة 30 آخرين من صفوف الجيش الباكستانى، فى مقابل مقتل 9 من حركة طالبان باكستان، وأكثر من 200 من حركة طالبان الأفغانية.
بعيدًا عن لغة الأرقام، تشير جذور الصراع بين الدولتين، اللتين كانتا فى الماضى حليفتين تجمعهما مصالح، إلى أن العلاقة بينهما أصبحت عدائية بشكل متزايد، بعد أن اتهمت إسلام آباد حكومة طالبان بإيواء مقاتلى طالبان الباكستانية المتهمين بتنفيذ هجمات داخل الأراضى الباكستانية على مدى سنوات، ووفقًا لمسئولين عسكريين باكستانيين، تلقت قيادة حركة طالبان باكستان دعمًا ماليًا من الحكومة الأفغانية، وتدرب مقاتلوها بكل حرية فى أفغانستان.
وطبقًا لتقرير سابق لوكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية، فإن حركة طالبان باكستان منفصلة عن حركة طالبان الأفغانية، لكنها حليف وثيق لها، واعتاد مقاتلو حركة طالبان باكستان على الاختباء فى المناطق القبلية شمال غربى باكستان، ولديهم أيضًا ملاذ فى أفغانستان، لكنهم عاشوا حياة الهاربين فى الغالب، ومع ذلك، بدأت حركة طالبان الأفغانية فى إيواء حركة طالبان باكستان علنًا عندما وصلت إلى السلطة. كما أطلقت حركة طالبان الأفغانية سراح قادة ومقاتلى حركة طالبان باكستان، الذين اعتقلتهم الإدارات السابقة فى كابول.
وأعلنت طالبان مرارًا بأنها لن تسمح لأى شخص، بما فى ذلك حركة طالبان باكستان، باستخدام الأراضى الأفغانية لشن هجمات ضد أية دولة، ومنها باكستان، لكن المسئولين الباكستانيين يقولون إن هناك انفصالاً بين أقوال حركة طالبان الأفغانية وأفعالها، التى يمكنها منع حركة طالبان الباكستانية من شن هجمات داخل البلاد، لكنها تفشل فى فعل ذلك.
بالعودة إلى الوضع الحالى، ورغم إعلان وزارة الدفاع الأفغانية انتهاء العمليات العسكرية على الحدود المشتركة مع باكستان، استجابة للوساطة القطرية السعودية الصينية، إلا أن التوتر بين كابول وإسلام أباد يبقى واحدًا من أكثر الملفات حساسية فى آسيا، لما يحمله من تشابكات معقدة.
فى هذا السياق، ذكرت صحيفة «الجارديان» البريطانية نقلًا عن مايكل كوجلمان، المحلل فى شئون جنوب آسيا المقيم فى واشنطن قوله، إن تكثيف الهجمات عبر الحدود بين أفغانستان و باكستان (2600 كيلومتر) ضد القوات الباكستانية، والضربات الباكستانية القوية على نحو غير معتاد على أفغانستان، ورد طالبان، خلقت كلها العاصفة المثالية لحدوث مشاكل، واصفًا الوضع بالخطير، خاصة أن باكستان أظهرت أخيرًا أن صبرها بدأ ينفد من طالبان الأفغانية. لكنّه رأى أنه بالنسبة لباكستان، فإن الخطر هو أن تثير الضربات الأخيرة طالبان الباكستانية، وتدفعها للرد، ما قد يستدعى مزيدًا من الضربات الباكستانية داخل أفغانستان، ومن ثم فإن الدوامة ستدور مرة أخرى»، وأضاف: «لا يوجد رابحون أو حلول سهلة طويلة الأمد هنا، إذا رأينا تخفيفًا للتصعيد بين أفغانستان و باكستان اليوم، فهذا لا يعنى أننا انتهينا».
نقطة أخرى مهمة أشارت إليها صحيفة «الجارديان»، وصحف أخرى حول دور الهند فى هذه المواجهة الأخيرة، وعلى الرغم من أن الهند ليست طرفا مباشرًا فى القتال، لكنها تتعرض للاتهام من قبل باكستان بتمويل ودعم المسلحين الذين ينفذون هجمات داخل أراضيها، كما أن تقارب نيودلهى مع كابول أثار حفيظة إسلام آباد، وهو
ما ذكره «وحيد فقيرى» الخبير فى العلاقات الدولية لموقع «سويس انفو» السويسرى، فقال إن التقارب الذى لم يسبق له مثيل بين طالبان والهند هو ما آثار غضب باكستان، ودفعها للتحرك.
وجاء التصعيد الأخير بين أفغانستان و باكستان فى وقت قام فيه وزير الخارجية الأفغانى «أمير خان متقى» بزيارة غير مسبوقة إلى نيودلهى، لإجراء مباحثات تهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية بالدرجة الأولى، فى وقت تعانى فيه حركة «طالبان» الحاكمة فى أفغانستان من العقوبات الدولية المفروضة عليها، والأزمة الاقتصادية الخانقة التى تواجهها منذ تسلمها الحكم نتيجة ذلك. وهذا هو أول تواصل على هذا المستوى الوزارى بين نيودلهى وطالبان، منذ عودة الأخيرة إلى الحكم قبل سنوات. وبالتزامن، اتفق الجانبان على رفع مستوى العلاقات بينهما، وأعلن وزير الخارجية الهندى «سوبراهمانيام جايشانكارى» أن بلاده سترفع مستوى بعثتها الفنية فى أفغانستان إلى سفارة كاملة، خلال لقائه متقى.
فى هذا التوقيت، يظل السؤال مطروحا: هل يمكن أن يحدث تصعيد مرة أخرى قريبًا؟ وخاصة فى ظل هشاشة العلاقة بينهما رغم الدعوات الدولية لضبط النفس، فى هذا الإطار، أشار محللون أمنيون ودبلوماسيون سابقون إلى أن كلا الجانبين يفضلان تجنب تصعيد الموقف، ولكن إذا فشلت الوساطات الدبلوماسية، واستمرت الغارات الجوية والهجمات البرية، قد يؤدى ذلك إلى زعزعة الأمن فى الحدود الشرقية لأفغانستان، وربما تدخل الهند كطرف متأثر بالتصعيد.

أضف تعليق