مع توقيع اتفاق وقف إطلاق النار فى قطاع غزة، فتح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، دون قصد، باب جهنم على رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، حيث جعل منصبه مهددًا، وكذلك استمرار ائتلافه الحاكم، وذلك بعد أن تولى السلطة فى إسرائيل لمدة 18 عامًا، أى أطول من ديفيد بن جوريون، حيث سيواجه نتنياهو خلال الأسابيع المقبلة تحديات إضافية واتهامات بالفساد قد تؤدى إلى منعه من تولى المناصب العامة وربما تقوده لدخول السجن، كما سيواجه دعوات جديدة لإجراء تحقيق قضائى شامل فى الإخفاقات التى سمحت بهجوم 7 أكتوبر 2023.
وإلى جانب محاكمته بتهم الفساد، والتى تجرى بالفعل حاليا ولم يستطع محاميه الحصول على التماس للتأجيل إلى حين رجوعه من زيارته فى قبرص، فإن الاتهامات توالت فوق رأس نتنياهو فور إعلان وقف الحرب فى غزة، حيث قدم أودى ليفى، وهو مسئول كبير فى جهاز الموساد، لائحة دفاع فى مواجهة دعوى تشهير كان قد رفعها ضده نتنياهو بقيمة نصف مليون شيكل، معتبرًا الدعوى محاولة لإسكاته وهدفها ردع كل من يثير أسئلة حول علاقة نتنياهو بقضية «قطر- جيت».
وفى إفادته، اتهم ليفى نتنياهو باستخدام منهج لدعاوى التشهير الممولة من حزب الليكود كوسيلة لردع منتقديه فى قضية «قطر- جيت»، مطالبًا المحكمة بإلزامه بالكشف عن وثائق مفصلة تتعلق بتمويل حملاته الانتخابية فى 2012 و2018، وكشوفات حسابات مصرفية له ولأفراد عائلته، بالإضافة إلى سجلات المحافظ الرقمية وأوراق ملكية العقارات داخل إسرائيل وخارجها.
وأضاف أن أقواله استندت، من بين مصادر أخرى، إلى «وثائق رافِن» التى سربها عملاء سابقون من وكالة الأمن القومى الأمريكية ونشرتها وكالة «رويترز» عام 2019، والتى تضمنت تسجيلات عن تحويلات مالية لشخصيات سياسية بارزة فى العالم، بينها اسم نتنياهو، ورغم الجدل حول أصالة هذه الوثائق، قال ليفى إنه دعا إلى التحقق منها عبر تحقيق جاد ومستقل.
وأشار ليفى، إلى أنه حصل على معلومات إضافية تفيد بأن أموالاً نقدية استخدمت عبر حسابات بنكية خارجية ومحافظ رقمية لشراء عقارات باسم أبناء نتنياهو، مثل شقة قرب لندن سجلت باسم «أبى سيحال»، وأخرى بمدينة نيوهايفن الأمريكية، وختم بأن القضية ليست شخصية بل تتعلق بمصلحة عامة واضحة، داعيًا إلى كشف كل الملابسات المرتبطة بفضيحة «قطر- جيت»، ومؤكدًا أنه تصرف بحسن نية وبما يتوافق مع واجبه الأخلاقى تجاه المجتمع.
يأتى هذا فى الوقت الذى ذكرت فيه «معاريف»، أن نتنياهو فى مأزق كبير فهو محاصر ما بين الرضوخ لمطالب ترامب والشارع الإسرائيلي بتنفيذ الاتفاقية وإنهاء الحرب، وما بين الائتلاف المتطرف الذى يبحث بكل السبل عن العوامل التى تؤدى إلى استمرار الحرب، فرغم أن الصفقة منحت نتنياهو- المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب فى قطاع غزة– ارتفاعًا فى شعبيته بحسب استطلاعات الرأى الأخيرة التى أجرتها صحيفة «معاريف»، إلا أنها أضعفت تماسك ائتلافه اليمينى المتشدد، الذى يرى فى وقف الحرب «خيانة لمبدأ الردع الإسرائيلى».
فى هذا السياق، يحاول نتنياهو الآن اختراع وسائل نجاة جديدة لاستمرار ائتلافه بشكل مؤقت ومنع الانتقال إلى انتخابات مبكرة، وذلك بتصعيد هجمات النظام الصهيونى على لبنان، فمن وجهة نظره، يُعد لبنان الآن الساحة الأمثل لتحقيق طموحاته الشخصية والهروب من الضغوط السياسية الداخلية، إذ لا يملك نظامه القدرة على مواجهة إيران أو اليمن بشكل مباشر.
كذلك يمكن ل نتنياهو إٍثارة الرعب والقلق فى غزة بإطلاق النار على مواطنى القطاع بعد وقف الحرب لشراء رضا الائتلاف ولو بشكل مؤقت لتأخير فكرة الانتخابات المبكرة وتأخير محاكمته على أقل تقدير.
على المستوى الداخلى، يعتزم نتنياهو الآن، حسب «معاريف»، العمل على إقرار ميزانية جديدة، فبدونها تسقط الحكومة فى نهاية مارس 2026، أما الموعد القانونى للانتخابات فهو بعد 8 أشهر تقريبًا، ولا ينوى نتنياهو التبرع بأشهر ثمينة من حكمه للمعارضة.
وسيسعى الائتلاف اليمينى الحاكم للعودة للمخطط الشيطانى خاصته، فيما يتعلق بالإصلاح القانونى، الذى يهدف للتحكم فى سلطات القضاء، وكان سببًا فى انقلابات بالحكومة قبل أحداث ٧ أكتوبر، حيث سيعمل على الدفع قدمًا فى جلسة الكنيست المقبلة بقانون تحديد تشكيلة قضاة محكمة العدل العليا عشوائيًا.
ووفق صحيفة «هآرتس»، إذا انهار الائتلاف قبل أن يضمن نتنياهو تفوقًا انتخابيًا مريحًا، فقد يجد نفسه أمام خصوم أكثر تنظيمًا من داخل معسكر اليمين ذاته وحزب الليكود، مثل وزير الدفاع السابق يوآف جالانت أو وزير الاقتصاد والصناعة نير بركات، أما إذا صمد الائتلاف مؤقتًا، فسيكون على نتنياهو التعامل مع موجة ضغط دولية، تطالبه بخطوات سياسية نحو «اليوم التالى لغزة»، وهى معركة لا تقل صعوبة عن الحرب نفسها.
وتقول المراسلة السياسية لصحيفة «معاريف»، آنا بارسكى، إن « نتنياهو يدرك أن وقف الحرب ليس نهاية الأزمة بل بدايتها، فملف ما بعد الحرب فى غزة يهدد بتفجير خلافات ائتلافية حادة حول إدارة القطاع، ومستقبل التنسيق مع واشنطن، والعلاقة مع السلطة الفلسطينية».
على الرغم من ذلك، يرى محللون عسكريون، حسب صحيفة «هآرتس»، أن نتنياهو رغم أنه يرى الحرب طوق نجاة له إلا أنه بنفس الوقت يعتقد أن وقف إطلاق النار الحالى سيكون فرصة مناسبة لإعادة ترتيب أوراق حكومته وحل المشاكل الداخلية التى تعانى منها دولته إثر الحرب، وأن إسرائيل فى حاجة ماسة لإنهاء الحرب، وأن بوجود الرئيس الأمريكى إلى جانبه، سيكون قادرًا على التغلب على أى صعوبة أو حملة دولية أو دعاية عالمية ضد دولة الاحتلال. كما يرى نتنياهو، أن الاتفاق سيسمح بعودة المجتمع والاقتصاد الإسرائيلى إلى طبيعتهما، كما ستمكن حكومته من تنفيذ خطوات إضافية فى مجال الإصلاح القانونى وفى مرحلة معينة، حتى قبل أن تصبح الحكومة انتقالية، أو يوافق الكنيست على حلها بالقراءة التمهيدية، وتمرير قانون بإنشاء لجنة تحقيق فى أحداث 7 أكتوبر، بحيث لا تتمكن الحكومة المقبلة التى يتم تشكيلها، مهما كانت، من إنشاء لجنة تحقيق حكومية أو غيرها.
فى حين أنه إذا سمحت دولة الاحتلال باستمرار الوجود العسكرى الإسرائيلى فى قطاع غزة ستتعرض إسرائيل لمخاطر اقتصادية جسيمة، حيث يتوقع، من بين أمور أخرى، ارتفاع هائل فى العجز والديون، وإلحاق أضرار جسيمة بالخدمات المدنية، خاصةً فى قطاعات الصحة والتعليم والمواصلات، وتفاقم الضرر الذى يلحق بمكانتها الدولية مع احتمال فرض عقوبات اقتصادية تُلحق الضرر بالصادرات، لا سيما فى قطاعى التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع، بسبب صعوبة استيراد المواد الخام.
وقد يؤدى معدل النمو المنخفض، إلى جانب الإنفاق الدفاعى، إلى عجز كبير وزيادة حادة ومستمرة فى نسبة الدين إلى الناتج المحلى الإجمالى، والتى من المتوقع أن تتجاوز 90٪ بحلول عام 2030، ولذا فإن الجمع بين الضرر الذى يلحق بالخدمات المدنية والدفاع، إلى جانب تباطؤ النمو والعزلة الدولية، يمكن أن يؤدى إلى زيادة هجرة الشباب المتعلمين، وتفاقم التدهور الاقتصادى المتوقع، ومن المتوقع كذلك أن تكون هذه الهجرة حادة بشكل خاص فى قطاع التكنولوجيا الفائقة، مع انخفاض حاد فى جاذبية دولة الاحتلال كمركز تنمية عالمى.
الأهم من ذلك، أنه بعد إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين – الذين اتخذهم نتنياهو ذريعةً لمواصلة الحرب- سيواجه صعوبة فى حشد دعم المجتمع الدولى، وربما حتى الأمريكيين أنفسهم، هذا الوضع سيُعمّق عزلة إسرائيل ويزيد الضغط الدولى عليها، خاصة إذا تجددت الحرب بكثافةٍ أكبر ودون قيود، بعد زوال الخوف من المساس بالأسرى الذين غادروا غزة، لذلك فإنه من المستبعد الآن أن يسعى نتنياهو إلى خرق اتفاقه مع ترامب