في مشهد تاريخي يعكس عظمة مصر ودورها المحوري في تحقيق السلام، برزت القاهرة كقلعة للدبلوماسية والإنسانية في محنة غزة، فبادرت بكل حزم وإخلاص لوقف نار الحرب، ومهدت الأرض لاستضافة مؤتمر السلام في شرم الشيخ. هذا الدور ليس وليد اللحظة، بل تجسيدٌ لرؤية وطنٍ يحمل في قلبه القضية الفلسطينية، ويسعى بكل قوة إلى أن يكون منارة للسلام والاستقرار في المنطقة.
منذ اندلاع القتال في غزة، لم تكتفِ مصر بالمطالبة الصامتة أو المواقف الرمزية، بل اتخذت مبادرات عملية: فتحت خطوط الاتصال مع مختلف الأطراف، وضغطت دبلوماسيًا لإيجاد حلول فورية، مستخدمة علاقاتها العربية والدولية كوسيلة ضغط تدعم وقف التصعيد. وقد أثمرت تلك الجهود في إرساء أساس لاتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، في المرحلة الأولى من المبادرة التي يُشرف عليها الوسطاء، بحيث تَكْسب هذه البادرة زخماً قريباً في المشهد السياسي.
أما شرم الشيخ، فقد تحولت إلى منصة كبرى للسلام: إنها ليست محطة عابرة، بل قمة دولية جامعة تُوضع فيها اللمسات الأخيرة لاتفاق شامل، تجمع أكثر من عشرين دولة وقادة عالميين تحت سقف واحد، لمناقشة أزمات وقف القتال وإطلاق الأسرى وتدفق المساعدات، وترتيب ملامح المرحلة القادمة. وبهذا، تصبح مصر حاضنةً لصفقة سلام تُوقع على أرضها، وتضفي عليها رمزية الانتصار الدبلوماسي، وتثبت أن السلام لا يُبنى إلا من رحم الإرادة والعزيمة.
إن عظمة دور مصر تتجلّى أيضاً في قدرتها على الحشد الدولي من حول القضية الفلسطينية، وتحويل الدعم المعنوي إلى دعم عملي. فهي التي استقبلت مبادرات، وضمنت ضمانات، وشاركت من خلال الوساطة، لتصبح الملعب الذي يُصاغ فيه قرار وقف النار، وتُرسم فيه ملامح السلام. ومن هنا، فإن القمة المنعقدة ليست مجرد توقيع على اتفاقية، بل إعلان أن مصر اختارت أن تكون في مقدمة الطليعة، ليس فقط في الدفاع عن القضية، بل في صناعة الحلول ومرافقة الشعوب نحو مستقبل أفضل.
لكن الواجب الوطني لا يكتمل بالتوقيع، بل في المتابعة والتنفيذ. ستواجه مصر تحديات جسيمة في ضمان التزام جميع الأطراف ببنود الاتفاق، ومراقبة تنفيذه على الأرض، وضمان عدالة إعادة الإعمار، وإشراك المجتمع الدولي لتقديم الدعم اللازم. إن نجاح قمة شرم الشيخ لن يُقاس فقط بوقف القصف، بل بمدى قدرة الاتفاق على تحقيق استدامة في السلام والعدالة والأمن للفلسطينيين، وتوفير أرضيةٍ لإعادة البناء الحقيقي.
في الختام، نقف أمام لحظة فخرٍ وطني، إذ أن مصر اليوم ليست ساحة صراع، بل قلب للعطاء وساحة للإصلاح، تتحمل ثِقل الأمل وتمنحه للمتألمين. ومع توقيع المسؤولين على الاتفاق في شرم الشيخ، تكتب مصر باسم الأمة العربية، أن السلام ممكن، وأن الدبلوماسية الجريئة قد تُنقذ حياة الملايين، وتضع أساساً لمستقبل أكثر إشراقًا في الشرق الأوسط.