الجاني قاصر !

الجاني قاصر !راندا طارق

الرأى22-10-2025 | 17:14

لم تعد الجرائم التي تهز المجتمع تُرتكب بأيد غريبة أو وجوه غليظة، بل صار الفاعل أحياناً طفلاً، يرتدي ملامح البراءة ويخفي وراءها عنفاً غير متوقع.

نسمع عن طفل قتل صاحبه، وآخر طعن زميله في المدرسة، وثالث أزهق روح طفل أصغر منه لمجرد شجار أو رغبة في الانتقام، الكارثة لم تعد في الجريمة ذاتها، بل في ثغرة تربت على كتف القاتل لأنه قاصر!، وتُغلق الباب في وجه العدالة لأنه ما زال في سن الطفولة.

هذه الوقائع تفتح باباً لأسئلة مؤلمة ماذا نُسمي من يرتكب جريمة قتل وهو طفل؟! كيف يُحاسب؟! وهل التشريع الحالي يكفي ليحقق للضحايا حقهم؟، أو يمنع الانتقام الذي قد تُشعل ظلمة الجرائم داخل الأسر؟

قانون الطفل في مصر، الذي وضع ليحمي الصغار من القسوة والحرمان، أصبح في بعض مواده حائط صد أمام حق الضحايا في القصاص، القانون يمنع إعدام القاصر أو سجنه مدى الحياة، حتى لو ارتكب جريمة قتل عمد بشعة، فلا يُحاكم كالبالغ، ولا يُعاقب بما يوازي فعله.

أقصى ما يمكن أن يحدث هو إيداعه في مؤسسة إصلاحية لبضع سنوات، ثم يخرج وكأن شيئًا لم يكن، يخرج ليبدأ حياة جديدة، بينما تبقى الأسرة الأخرى تحت التراب أو تحت وطأة الذكرى.


تلك الثغرة القانونية تفتح باباً للانتقام، فحين تشعر أسرة الضحية أن قاتل ابنهم سيخرج بعد بضع سنين ليعيش حياته، يبدأ الغليان في النفوس، ويتحول الحزن إلى رغبة في الثأر، على القانون أن يُشبع الإحساس بالعدالة، حتى لا تشعل نارها في قلوب الناس.

وهنا تبدأ أخطر دائرة، دائرة الانتقام المجتمعي، حيث تتحول الأسر من باحثة عن حق إلى منفذة له بأيديها، لأن القانون لم يكن كافياً لردع الجاني أو تهدئة الجرح.

القضية لم تعد حادثاً فردياً، بل ظاهرة تتكرر وتتصاعد، نتذكر جميعاً واقعة الطفل الذي قتل زميله في المدرسة بسبب خلاف تافه، وقضية زينة التي هزت الرأي العام بعدما قُتلت الطفلة البريئة على يد طفلين، وواقعة الطفل الذي تم تصويره أثناء تعذيبه ونُشرت صوره على مواقع التواصل وغيرهم كثير.

هذه ليست قصصاً من فيلم، بل واقع مر نعيشه، يعكس ما وصلت إليه بعض النفوس الصغيرة التي لم تتعلم الرحمة ولا تعرف معنى الحياة.

وراء كل جريمة طفل قاتل ، بيت مهزوم وبيت مكلوم، الأول يعيش الخوف من المجتمع والعار، والثاني يعيش الوجع من فقد لا يُعوض، كلاهما ضحية منظومة تربوية مضطربة وقانون عليه مواكبة تكرار العنف.

العنف الذي تسلل إلى المدارس والبيوت ومواقع التواصل صار يغذي هذه الجرائم في عقول المراهقين، يجعلهم يرون القتل لعبة أو انتقاماً سريعاً لا عاقبة له، لأنهم يعلمون أن القانون سيرحمهم بسبب العمر.

ما يحدث اليوم يحتاج وقفة شجاعة من المٌشرع، لا أحد يدعو إلى إعدام الأطفال، فذلك ضد قيم الإنسانية، لكن العدالة لا يمكن أن تبقى رهينة لعمر الجاني، هناك فرق بين طفل يسرق أو يخطئ، وطفل يقتل عمداً ويخطط ويُخفي الجريمة وينشر طفل بمنشار كهربائي!

من يرتكب القتل وهو واع بفعله يجب أن يُعاقب بما يوازي الجريمة، ولو لم يكن بالإعدام فليكن بالسجن المشدد مدى الحياة، بلا إفراج مبكر ولا مبررات إصلاح، يجب أن يُعدل قانون الطفل ليكون هناك استثناء واضح في جرائم القتل العمد، بحيث لا يُعامل القاتل الصغير كضحية، ولا تُنسى الضحية الحقيقية في غبار التعاطف الزائف.

القانون الذي لا يُحقق الردع بسبب العمر ظُلم مقنع، والرحمة التي تُهدر حق الأبرياء ليست رحمة بل ضعف إن لم نُغلق هذه الثغرة، فإننا نُشرع لجيل جديد من السفاحين الصغار الذين سيتعلمون أن القتل لا ثمن له سوى بضع سنوات من الإصلاح ثم الحرية.

نحن بحاجة إلى تشريع يُشعر الناس أن العدالة لا تعرف العمر، وأن من يزهق روحاً يُحاسب بما يُعيد التوازن للحياة، لا بما يُثير الغضب ويزرع الانتقام.

البراءة لا تُقاس بالسن، بل بالفعل، و العدالة لا ينبغي أن تُقيد ببطاقة ميلاد، بل بميزان الحق، فلتكن طفلاً أو بالغاً من يقتل يجب أن يُحاسب، ومن يشرع يجب أن يسمع صرخات الأمهات التي لا تهدأ، لأن القانون حين يسامح، تنتقم الحياة بطريقتها.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان