محمد خان.. مخرج الواقعية الذي حوّل شوارع مصر إلى شاشة عرض كبرى

محمد خان.. مخرج الواقعية الذي حوّل شوارع مصر إلى شاشة عرض كبرى المخرج محمد خان

فنون26-10-2025 | 03:00

تحل اليوم ذكرى ميلاد المخرج محمد خان، أحد أبرز صناع السينما المصرية الذين أعادوا تعريف الواقعية على الشاشة وأعادوا للسينما المصرية نبضها الإنساني وبساطتها الصادقة. فخان لم يكن مجرد مخرج تقليدي، بل كان عيوناً ترصد تفاصيل الشارع وقلوب الناس، ليحولها إلى حكايات تنبض بالحياة، ومشاهد تعيش في ذاكرة الأجيال.

وُلد محمد خان في السادس والعشرين من أكتوبر عام 1942 بحي السكاكيني في القاهرة، لأب باكستاني وأم مصرية. ورغم أن جذوره تمتد خارج الحدود المصرية، فإن روحه كانت مصرية خالصة، تنبض بحب هذا البلد الذي صوّره كما لم يفعل أحد من قبله. كان طفلاً مولعاً بالسينما، فقد كان بيته يطل على دار عرض مفتوحة، وكان يقضي ساعات طويلة يشاهد الأفلام من شرفة منزله، دون أن يدرك أن تلك اللقطات الأولى ستكون شرارة مسيرته الطويلة في عالم الإخراج.

سافر خان إلى لندن في منتصف الخمسينيات لدراسة الهندسة المعمارية، غير أن القدر كان يُخبّئ له طريقاً آخر. هناك تعرّف إلى أحد طلاب السينما، فبدأ يرافقه إلى معهد السينما ويتابع المحاضرات، ليكتشف شغفه الحقيقي ويغيّر مساره الدراسي ويلتحق بمعهد السينما البريطاني. تلك التجربة الأوروبية أثّرت كثيراً في تكوينه الفني، ومنحته رؤية عالمية حملها معه عندما عاد إلى القاهرة بعد سنوات من الدراسة والترحال.

بدأ محمد خان مشواره العملي في الشركة العامة للإنتاج السينمائي، ثم سافر إلى لبنان ليعمل مساعد مخرج، قبل أن يعود إلى مصر في السبعينيات ليبدأ مرحلة النضج والإبداع. عام 1978 قدّم أول أفلامه “ضربة شمس”، الذي لم يكن مجرد تجربة أولى، بل إعلان ميلاد مخرج يمتلك لغة خاصة في السرد السينمائي. ومنذ ذلك الفيلم بدأت ملامح أسلوبه المميز تتشكل، إذ حرص على الخروج بالكاميرا إلى الشارع، بعيداً عن الديكورات المصطنعة، ليقدّم الواقع كما هو دون تزييف أو تجميل.

في الثمانينيات قدّم خان مجموعة من أفلامه الأهم التي رسّخت اسمه في تاريخ السينما المصرية، مثل “طائر على الطريق”، و“الحريف”، و“خرج ولم يعد”، و“زوجة رجل مهم”، و“أحلام هند وكاميليا”. في هذه الأفلام لم يكن الراوي محايداً، بل كان صديقاً للناس البسطاء، يحكي حكاياتهم بلغة إنسانية عميقة وبصورة واقعية تقترب من القلب أكثر مما تفعل الكلمة. شخصياته كانت حقيقية تعيش بيننا، لا أبطال أسطوريين ولا مثاليين، بل بشر يحملون الضعف والقوة والحنين.

مع مطلع الألفية الجديدة، واصل خان رؤيته الخاصة من خلال أفلام مثل “أيام السادات”، و“في شقة مصر الجديدة”، و“فتاة المصنع”. ورغم تغيّر الأجيال والاتجاهات، ظل محافظاً على أسلوبه البصري القائم على الصدق والتفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة، وكأنه يؤمن أن السينما ليست استعراضاً للمشاعر، بل مرآة للمجتمع.

تميز خان بعلاقته القوية بالواقع الاجتماعي والسياسي، ولم يكن يتعامل مع السينما كوسيلة للترفيه فقط، بل كأداة لفهم المجتمع وكشف تناقضاته. كان يرى في البساطة قوة، وفي الصمت لغة، وفي الشارع بطلًا حقيقيًا يستحق البطولة المطلقة. لذلك عُدّ من أبرز رموز تيار الواقعية الجديدة في مصر إلى جانب داوود عبد السيد وخيري بشارة.

نال محمد خان العديد من الجوائز من مهرجانات عربية ودولية، منها الجائزة الذهبية للإخراج الأول عن فيلمه “ضربة شمس” من مهرجان الإسكندرية السينمائي، وجائزة لجنة التحكيم بمهرجان قرطاج عن فيلم “خرج ولم يعد”، كما كُرم في مهرجان القاهرة السينمائي تقديراً لمشواره الفني الطويل. لكن التكريم الأكبر جاء حين قررت الدولة منحه الجنسية المصرية عام 2014، في خطوة رمزية أكدت أنه لم يكن غريباً يوماً عن تراب هذا الوطن.

رحل محمد خان في السادس والعشرين من يوليو عام 2016 بعد أزمة صحية مفاجئة، تاركاً خلفه إرثاً فنياً خالداً يضم أكثر من عشرين فيلماً تمثل علامات مضيئة في تاريخ السينما المصرية. ورغم رحيله، فإن أفلامه ما زالت تُدرّس في معاهد السينما العربية، لأنها تحمل بصمة فنان آمن أن الكاميرا ليست آلة لتصوير المشاهد، بل وسيلة لاكتشاف الحقيقة.

في ذكرى ميلاده، لا يُمكن الحديث عن محمد خان دون الحديث عن الإنسان الذي عاش مخلصاً لفنه، متمرداً على النمط، عاشقاً للصدق والبساطة. كان يرى في الممثلين شركاء في الحكاية، وفي الشارع مصدراً للإلهام، وفي السينما حياةً أخرى يحاول من خلالها فهم البشر والواقع. ترك خان لنا سينما تمشي على الأرض، تتحدث بلسان الناس وتبكي لأجلهم وتضحك معهم، لتبقى أعماله شاهداً على مخرج آمن أن الفن الحقيقي لا يموت، بل يعيش في كل لقطة صادقة تحمل توقيعه.

أضف تعليق

بيان النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان