تمر اليوم الذكرى الأولى لرحيل الفنان حسن يوسف، أحد رموز السينما المصرية الكلاسيكية، وواحد من أكثر الوجوه التي شكلت وجدان المشاهد العربي طوال أكثر من ستة عقود من الفن والعطاء.
هو الممثل والمخرج والإنسان الذي عاش الفن بكل مراحله، من زمن الأبيض والأسود حتى الدراما الحديثة، محافظًا على توهجه الإبداعي حتى آخر لحظة من حياته.
*من حي السيدة زينب إلى قلوب الجماهير
وُلد حسن يوسف في 14 أبريل عام 1934 في حي السيدة زينب الشعبي بالقاهرة، وسط بيئة بسيطة زرعت فيه الطموح والإصرار.
كان يحلم منذ صغره بأن يصبح فنانًا، ولم يكن يدري أن القدر يخبئ له مكانة بين عمالقة السينما المصرية.
بدأ مشواره الفني في نهاية الخمسينيات بعد أن اكتشفه الفنان الكبير حسين رياض أثناء عرض مسرحي مدرسي، ففتح له الباب إلى عالم السينما ليشارك عام 1959 في فيلم «أنا حرة» أمام لبنى عبد العزيز، معلنًا بداية نجمٍ جديد.
*الولد الشقي الذي أسر قلوب البنات
في ستينيات القرن الماضي، لمع نجم حسن يوسف كأحد أبرز وجوه الشباب على الشاشة، حيث قدّم أدوارا جسدت خفة الظل والرومانسية والشقاوة.
شارك كبار نجمات السينما مثل سعاد حسني ونادية لطفي وشادية في أعمال أصبحت من علامات السينما المصرية، من بينها للرجال فقط والثلاثة يحبونها ومطلوب أرملة و أم العروسة وغيرها.
كان يملك تلك الابتسامة التي تجمع بين البراءة والدهاء، فلقبه الجمهور بـ«الولد الشقي»، لكن خلف هذا اللقب كان فنانًا واعيًا يسعى لتقديم أدوار مختلفة لا تعتمد على الوسامة فقط بل على الصدق الفني.
*من التمثيل إلى الإخراج.. فنان لا يهدأ
في السبعينيات، بدأ حسن يوسف مرحلة جديدة من حياته الفنية، حيث اتجه إلى الإخراج وقدّم عددًا من الأفلام التي تعكس وعيه بالتغيرات الاجتماعية والسياسية في مصر آنذاك.
أخرج أفلامًا جريئة في طرحها الإنساني، كما شارك في أعمال جسّدت نضج الفنان الباحث عن معنى أعمق للفن، بعيدًا عن مجرد البطولة التجارية.
ورغم أنه قلّل من ظهوره السينمائي في الثمانينيات، إلا أن الدراما التلفزيونية كانت له بمثابة عودة متألقة إلى القلوب.
*إمام الدعاة.. التحول الكبير
لم يكن أحد يتخيل أن «الولد الشقي» سيجسد يومًا شخصية دينية بحجم الشيخ محمد متولي الشعراوي، لكن حسن يوسف فعلها.
في عام 2003، قدّم المسلسل الأشهر «إمام الدعاة»، فكان أداءه مدهشًا في صدقه وهدوئه وعمقه الإنساني.
نجح في أن يُقنع الجمهور والنقاد معًا بأن التمثيل ليس مهنة تجسيد فقط، بل رسالة يمكن أن تلامس الروح وتدعو إلى التأمل.
ومنذ ذلك العمل، أصبح اسمه مقترنًا بالحكمة والوقار بعد أن كان عنوانًا للشقاوة والرومانسية.
*رحلة حياة.. بين الفن والإيمان
بعيدًا عن الكاميرا، عاش حسن يوسف حياة متوازنة هادئة، جمعت بين الالتزام الديني والوفاء الأسري.
تزوج مرتين، الأولى من الفنانة لبلبة، لكن الزواج لم يستمر طويلاً، ثم تزوج من الفنانة شمس البارودي عام 1972، لتبدأ معه رحلة حياة استمرت حتى رحيله، وأنجب منها أربعة أبناء.
عُرف بعلاقته الوثيقة بزملائه في الوسط الفني، وبهدوئه الشديد وابتعاده عن الصراعات، وظل حتى آخر أيامه مؤمنًا بأن «الفن رسالة سامية لا تقل قداسة عن أي مهنة تخدم الناس».
*وداع هادئ لأسطورة السينما المصرية
في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 2024، غيّب الموت الفنان الكبير حسن يوسف عن عمر ناهز التسعين عامًا، بعد رحلة فنية تجاوزت الستين عامًا.
رحل بهدوء كما عاش، تاركًا وراءه إرثًا من المحبة في قلوب الجمهور، وسيرة فنية نظيفة تليق برجل أحب الفن بإخلاص، واحترم جمهوره حتى اللحظة الأخيرة.
بوفاته، طوى الفن المصري صفحة من أنقى صفحاته، ف حسن يوسف لم يكن مجرد ممثلٍ وسيمٍ عاش في زمن جميل، بل كان رمزًا للتحول والنضج والبحث الدائم عن المعنى.
*إرث فني لا يزول
قدّم حسن يوسف عشرات الأفلام والمسلسلات التي تُعد اليوم من كلاسيكيات الشاشة، منها:
الخطايا، الشقيقان، ومسلسل ليالي الحلمية، إمام الدعاة، زهرة وأزواجها الخمسة.
كما أخرج عددًا من الأفلام المميزة، وأثرى الحياة الثقافية بتصريحاته الهادئة ورؤيته العميقة للفن والحياة.
*في ذكرى رحيله الأولى.. يبقى اسمه خالدًا
بعد عامٍ على رحيله، ما زال حسن يوسف حاضرًا في وجدان الملايين، بصورته الشابة في أفلام الأبيض والأسود، وبصوته الهادئ وهو يجسد شخصية الشعراوي، وبمواقفه النبيلة التي لم تتغير رغم تغيّر الأزمنة.
هو ابن جيلٍ آمن بالفن كقيمة إنسانية، وترك وراءه درسًا في الإخلاص والاحترام، ليبقى اسمه محفورًا في ذاكرة السينما المصرية كواحد من رموزها الكبار.