في ذكرى رحيله الأولى.. مصطفى فهمي من خلف الكاميرا إلى قلب الشاشة رمزًا للرقي والاتزان

في ذكرى رحيله الأولى.. مصطفى فهمي من خلف الكاميرا إلى قلب الشاشة رمزًا للرقي والاتزانمصطفى فهمي

فنون30-10-2025 | 00:19

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، غاب عن عالمنا أحد أكثر نجوم السينما المصرية حضورًا وتميزًا، الفنان مصطفى فهمي، الذي رحل في 30 من أكتوبر عام 2024 عن عمر ناهز الثانية والثمانين، بعد رحلة فنية امتدت لأكثر من نصف قرن، ظل خلالها رمزًا للأناقة، ووجهًا يجمع بين الوقار والرومانسية، وبين هدوء الطباع ودفء الأداء.

*من بيت العراقة إلى كادر السينما

وُلد مصطفى محمود فهمي في السابع من أغسطس عام 1942 في القاهرة، داخل أسرة أرستقراطية الجذور، فوالده محمود باشا فهمي كان سكرتيرًا لمجلس الشورى، وجده محمد باشا فهمي من كبار رجال الدولة في زمنه، تلك النشأة التي اتسمت بالانضباط والرقي، انعكست على شخصيته فيما بعد، فحافظ على ملامح الهدوء والثقة التي صارت جزءًا من صورته أمام الكاميرا.

ورغم أن والده كان يتمنى له مسارًا دبلوماسيًا، فإن شغفه بالفن جذب بوصلته نحو المعهد العالي للسينما، حيث درس التصوير، وتخرج حاملاً حلمًا بأن يصبح مدير تصوير لامعًا، قبل أن تأخذه الأقدار إلى التمثيل صدفة جميلة، ستغيّر مجرى حياته.

*من خلف الكاميرا إلى دائرة الضوء

بدأ مصطفى فهمي مشواره الفني كمساعد مصوّر في عدد من الأعمال السينمائية، قبل أن يلفت الأنظار بوسامته الهادئة وحضوره الطاغي، عام 1974 شارك في فيلم «أين عقلي» ليبدأ بعدها رحلة طويلة مع الشاشة الفضية، لم يكن خلالها مجرد وجه وسيم، بل ممثل يمتلك كاريزما خاصة وقدرة على التعبير الرصين.

لمع نجمه في الثمانينيات، وهي المرحلة التي شهدت ذروة نضجه الفني، فشارك في أفلام مثل «أيام في الحلال» و«الرحمة يا ناس»، كما قدّم للتلفزيون أعمالًا رسّخت مكانته كفنان قادر على التنقل بين الأدوار الاجتماعية والرومانسية والدرامية بمرونة نادرة.

*صوت الهدوء في زمن الصخب

كان مصطفى فهمي من القلائل الذين جمعوا بين الأناقة الحقيقية والبساطة، فملامحه الهادئة ولغته الرزينة جعلاه نموذجًا للرجل الشرقي العصري، لم يكن يسعى إلى صخب الأضواء أو التريندات الزائفة، بل اكتفى بأن يكون فنه مرآة لذوقه وثقافته، وأن يقدّم أعمالًا تعيش أطول منه.

في الدراما التلفزيونية، ظل يحتل مساحة مميزة بين نجوم جيله، فشارك في مسلسلات مثل «حياة الجوهري» و«حارة المحروسة» و«حلاوة الدنيا»، وكان حضوره فيها مزيجًا من الرصانة والأداء الداخلي الهادئ الذي يشبه شخصيته الحقيقية.

*حكايات القلب والعمر

بعيدًا عن الكاميرا، كانت حياة مصطفى فهمي مليئة بالمحطات الإنسانية، تزوج أكثر من مرة، من بينها زواجه بالفنانة رانيا فريد شوقي الذي ظل حديث الوسط الفني لسنوات، ثم زواجه من الإعلامية اللبنانية فاتن موسى الذي انتهى بخلافات شغلت الصحافة، لكنه تعامل معها بصمت وحكمة، مفضّلًا أن يحتفظ بكرامته بعيدًا عن الضجيج.

ورغم ما مرّ به من تجارب إنسانية، بقي الرجل محافظًا على اتزانه وهدوئه، وظهر في لقاءاته الأخيرة متصالحًا مع نفسه ومع الزمن، كأنه يودّع الدنيا بابتسامة راقية لا تعرف المبالغة.

*الرحيل الهادئ

في أغسطس 2024، خضع مصطفى فهمي لعملية جراحية دقيقة لاستئصال ورم في الدماغ، لكن حالته الصحية تدهورت تدريجيًا حتى رحل بعد شهرين، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا كبيرًا وذكريات محفورة في ذاكرة الجمهور، رحيله جاء كما عاش... هادئًا، أنيقًا، بلا ضجيج، كنسمة مرت من أمام الكاميرا وابتسمت قبل أن تغيب.

تمر اليوم الذكرى الأولى لرحيله، فيتذكره جمهوره وأصدقاؤه بوصفه أحد رموز جيلٍ جمع بين الأصالة والاحترام، جيلٍ كان الفن بالنسبة له رسالة وليس وسيلة للشهرة.

ويكفيه فخرًا أنه ظل حتى آخر أيامه محطّ تقدير كل من عمل معه، وأن اسمه سيبقى محفورًا في ذاكرة السينما والتلفزيون كواحد من أكثر الفنانين اتزانًا ورقيًا.

رحم الله مصطفى فهمي، الرجل الذي ظلّ عنوانًا للهدوء في زمن العواصف، وعلّمنا أن الأناقة لا تُقاس بالبدلة أو المظهر، بل بروحٍ تعرف كيف تمضي في الحياة بكرامة واحترام حتى آخر لحظة.

أضف تعليق